تكاد أجواء واشنطن تنطق بأن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما عازمة على حسم الصفقة النووية مع إيران، قبل نهاية هذا الأسبوع. التلميحات والتسريبات الصادرة عن/ أو المنسوبة إلى المسؤولين الأميركيين، حملت المؤيدين كما المتحفظين والمحذرين في واشنطن؛ على ترجيح هذا الاحتمال والتصرف على أساسه. في العادة كانت الإدارة تتحدث عن توقعاتها التفاوضية بصيغة شرطية. الآن يجري الحديث بلغة أن الفجوة "ضاقت إلى أبعد الحدود". يعني أن سدّها صار بحكم تحصيل الحاصل. يعزّز هذه القراءة ما بدا أنها تمهيدات لاختراق ترغبه واشنطن. فالرئيس قام بشبه حملة مع قيادات الكونغرس لصرفها عن التصويت في هذا الوقت على عقوبات جديدة ضد إيران. ووزارة الخارجية لا تستبعد سفر الوزير كيري إلى جنيف "إذا لزم الأمر".
احتدام الخلاف
ومن المؤشرات التي يرى المراقبون أنها تعزّز هذه القراءة، أن الخلاف يحتدم كما لم يحصل من قبل مع إسرائيل حول هذا الموضوع الذي تحوّل إلى مادة تراشق يومي غير مألوف بين الحليفين. وبات ذلك حديث الجهات الأميركية المتخوفة من انعكاسات هذا التباين على العلاقات بين البلدين. على الأقل طيلة المدة المتبقية من رئاسة أوباما.
من البداية أثار احتمال التوصل إلى تسوية مع إيران، الكثير من الجدل في واشنطن. ليس فقط حول الملف النووي، بل أيضاً حول ما تنطوي عليه صفقة من هذا النوع من أبعاد استراتيجية لجهة إعادة صياغة التحالفات والتوازنات في المنطقة. وفي هذا الإطار تطور السجال بين مدرستين: واحدة تدفع ولو بحذر بهذا التوجه، وأخرى تقول بوجوب التعامل مع إيران من زاوية اعتبارها دائماً جهة غير موثوقة.
الخيار العسكري
من حيثيات أصحاب المدرسة الأولى، أنه لا بديل عن التسوية سوى الخيار العسكري غير المقبول من جانب أوباما كما من جانب الرأي العام الأميركي. خاصة بعد تجربة العراق المريرة. ثم إن ضبط مشروعها النووي من شأنه ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد: يقطع الطريق على انتشار العدوى النووية في المنطقة. ويستبطن هذا أنه في هذه الحالة تبقى إسرائيل لوحدها نووية في المنطقة. ثم هو يخرج إيران من عزلتها ويردّها إلى دائرة العلاقات الدولية السوية ويربطها بشبكة مصالح تكون لها الأولوية في صياغة سياساتها الإقليمية والدولية. ولا يخفى أن من بين أصحاب هذا التنظير، من يتطلع إلى عودة المياه إلى مجاريها مع وطهران، إذا لم تكن كحليف، فعلى الأقل كشريك "براغماتي".
في المقابل، كان المحافظون عموماً، على الجانب الآخر من الجدل. في قاموس هؤلاء أن طهران خصم "لا يؤتمن له" طالما بقي هذا النظام في الحكم. لا نووياً ولا أمنياً، ناهيك بالشراكة معها. وتعاملت مع الملف النووي "بالخداع وشراء الوقت". ثم أنها تلعب دوراً إقليمياً يتضارب مع المصالح الأميركية في المنطقة. فهي تعمل وفق مشروع "هيمنة" إقليمية، سياسية وأمنية. وبالتالي لا يصح التعامل معها كندّ، بل المطلوب رفع وتيرة الضغوط والعزلة لإجبارها على التراجع.
صفقة وشيكة
الآن يبدو أن هناك تسليم من الجانبين بأن الصفقة باتت وشيكة. كلاهما يستنفر كل ما في جعبته من حيثيات. لكن الإدارة من ناحيتها تتصرف وكأنها على عتبة ما تعتبره بمثابة اختراق من الحجم الكبير. وزاد من اندفاعها أنها أنجزت أمس اتفاقاً أمنياً مع أفغانستان بعد مفاوضات متعثرة وطويلة، من شأنه تسريع الانسحاب من هناك. ربما قبل نهاية العام المقبل، وبما يفي بوعد أوباما وأكثر. وبذلك تتطلع إدارته لعقد الاتفاق مع إيران، بحيث تكون قد حققت إنجازين أمنيين في أسبوع واحد لتوظيفهما في وقف التدهور في رصيد الرئيس.