ما كان من المتوقع أن يأتي الرئيس الأميركي باراك أوباما في كلمته أول من أمس أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة بموقف جديد غير الذي سبق وأعلنته إدارته من موضوع الاعتراف الدولي المنشود بدولة فلسطين. لكن على الأقل كان الاعتقاد أن يبدي قدراً من القبول والتفهم غير اللفظي، لحيثيات التوجّه الفلسطيني هذا، عبر الإشارة إلى الدواعي، من الاستيطان إلى معاناة الشعب الفلسطيني في أوضاعه الراهنة. أو في الحدّ الأدنى، أن يؤكّد على أهمية التوصل إلى صيغة وسط ومخرج متوازن للكباش الدبلوماسي الدائرة جولاته الآن في نيويورك. الحفاظ على ما تبقى من صدقيته كان يقتضي ذلك.
لكن اوباما اختار لغة أخرى مختلفة تماماً، كان الانطباع أنه غادرها بوصفها تعبيرا عن سياسة وعد بتغييرها. لغة عاد معها إلى الصف المألوف والطرح المعروف في واشنطن. رمى الكرة في الملعب الفلسطيني ووضع أصحابه أمام خيار واحد لا غير؛ بالرغم من ثبات عقمه بعد اختباره على مدى حوالي عقدين من الزمن.
في المقابل، كرّر أوباما احتضان دولة اليهود، باعتبارهم ضحايا مظالم تاريخية هائلة حلّت بهم؛ ووضع جيرانها في خانة المعتدي الذي هدّدها بحروبه التي شنّها ضد إسرائيل.
صارت هي الطرف المسالم والعرب الطرف العدواني. عودة صافية إلى السياسة الأميركية المتوارثة. انحياز فاقع للدولة العبرية والتكرم على ضحاياها بتقديم النصائح والوعود والخرائط وعقد المؤتمرات التي انتهت بتواقيع وتعهدات بقيت حبراً على ورق. كلها ذهبت سدى، فيما كسبت إسرائيل الوقت لابتلاع المزيد من الأرض.
واليوم، يكرر أوباما المعزوفة ذاتها. اذهبوا إلى الطاولة فليس هناك طريق أقصر إلى السلام، يقول للفلسطينيين، اي ان طريق الأمم المتحدة مقطوع بسيف الفيتو والمساعدات. مع أنه صار من الثابت الذي لا يقبل الجدل، وباعتراف دوائر أميركية إعلامية وسياسية وازنة طالما نصحت وطالبت الإدارة، أن المفاوضات لن تؤدّي إلى شيء إلاّ إذا طرحت واشنطن خطة أو سقف زمني ووضعت المفاوضات على هذه السكّة. من دون تدخل أميركي حاسم قاطع، تبقى عملية التفاوض دوّامة مقفلة. الرئيس اوباما لا شك يعرف ذلك تماماً. مع ذلك خلا خطابه من أي إشارة في هذا الخصوص. خلا خطابه من أي نكهة لما أوحى ووعد به في خطابيه الشهيرين في اسطنبول والقاهرة.
كل حصة الجانب الفلسطيني في خطابه، كانت عبارتين: يستحقون دولة وانه يتفهم إحباطهم إذا كان مع الدولة فلماذا هذا الاعتراض وكل هذه الضغوط لإجهاض إعلانها ؟ كما تساءل أحد كبار المعلقين .
خطابه كان سياسيا انتخابيا بامتياز. ليس سراً في واشنطن أن بطانة اوباما مأخوذة إلى حدّ الوسواس بإعادة انتخابه. دفعت البيت الأبيض، وهو قابليته مفتوحة، إلى التراجع والمساومة على قضايا داخلية وخارجية، كان أوحى بانه ملتزم بها حتى النهاية.
لكن كلام الموقف تمحوه حساب الانتخابات. من حوالي أسبوع فاز خصومه الجمهوريون بمقعد نيابي في دائرة انتخابية معقودة اللواء لحزبه. ريك بارّي، أحد أبرز المرشحين من الحزب الجمهوري؛ قصد نيويورك، معقل الديمقراطيين واحد مراكز الثقل اليهودي، ليهاجم وبعنف سياسة الرئيس تجاه إسرائيل. دبّ الذعر في أوساط الرئيس. سارع إلى الاستدارة مئة وثمانين درجة على وعوده. أو ما تبقى منها.
لو حصل التراجع عن طلب العضوية قبل خطاب الرئيس، لكان خطأ. الآن بعد الخطاب، صار التراجع خطيئة؛ بصرف النظر عن المردود المباشر. حان الوقت لانتشال هذا الملف من دوامة التخدير.