تقول مصادر دبلوماسية مطلعة على مجرى الاتصالات الأميركية ـ الفلسطينية، إن الرئيس أوباما «ناقم» على القيادة الفلسطينية؛ لأنها بإصرارها على طلب العضوية للدولة من الأمم المتحدة ستضطره «لاستخدام الفيتو ضدّ فلسطين في زمن الربيع العربي». وهذا ما لم يكن يرغب به. وكأنه مجبر ولا خيار له. أو أنه يقرّ بأن الموقف الذي تزمع إدارته اتخاذه في مجلس الأمن، خطأ ولا يريده؛ لكنه لا يقوى على العكس لئلا تنصبّ عليه نقمة إسرائيل ومفاتيحها في واشنطن. اعتراف مكشوف بعجز طوعي، يطالب البيت الأبيض الجانب الفلسطيني بدفع ثمنه.
في مثل هذه الأيام من العام الماضي، تحدث الرئيس أوباما وبما يشبه الوعد عن ولادة دولة فلسطينية في غضون سنة؛ بحيث تكون كاملة العضوية في الأمم المتحدة عند افتتاح الدورة العادية للجمعية العمومية، الأسبوع القادم. مضت المدة وتبخر الوعد، على نار المراوغة والتعجيزات الإسرائيلية الفاقعة المعروفة. وإدارة صاحب الوعد تتفرج وتتراجع أمام عناد وإصرار رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو الذي «لجأ إلى التلطي وراء مختلف الذرائع لإجهاض جهود السلام»؛ على حدّ ما تقول نيويورك تايمز في افتتاحيتها أول من أمس .
حتى مثل هذه الدوائر التي اعتادت على احتضان مواقف وسياسات إسرائيل، لم تعد قادرة على قبول مراوغة حكومتها، حرصاً عليها. بل أنها حثّت البيت الأبيض، مراراً وتكراراً على المبادرة «وطرح مشروع مع خريطة وسقف زمني»، يؤدي إلى ترجمة صيغة الدولتين. لكن إدارة الرئيس أوباما لم تغادر ولو بالتلويح، موقفها المكرور بأن المفاوضات هي الطريق الوحيد لتحقيق السلام! وأن «الذهاب إلى الأمم المتحدة لن يؤدي إلى قيام الدولة الفلسطينية»، كما أكدته مجدّداً الناطقة الرسمية في الخارجية الأميركية. نسخة طبق الأصل عن المعزوفة ـ الخدعة الإسرائيلية. وكأن حوالي عقدين من التفاوض لم تكن كافية لفضح زيف هذه الدّويخة.
وفي الأيام الأخيرة، عندما بات الخيار الدولي في حكم تحصيل الحاصل، تحركت الماكينات المعنية في واشنطن بعدة اتجاهات. منها للتحريض على رام الله. ومنها للتهديد بالأوراق المتاحة، مثل المساعدات الأميركية السنوية للسلطة الفلسطينية التي يعتزم الكونغرس قطعها، باستثناء ربما المخصصات الأمنية فيها فقط. ومنها كالإدارة، من يعمل على تقليل الخسائر، سواء من خلال ممارسة ضغوط اللحظة الأخيرة لحمل الجانب الفلسطيني على صرف النظر عن هذا الخيار. أو على الأقل، بعدما سبق السيف العدل، الاكتفاء بعرض الموضوع على الجمعية العمومية فقط. وإن كان تصويت هذه الأخيرة من شأنه أن يؤدي إلى رفع وضعية فلسطين من عضو مراقب في الأمم المتحدة إلى دولة عضو تشارك بكثير من هيئاتها ومنظماتها المتنوعة.
الأمر الذي تخشى إسرائيل جوانبه القانونية الدولية، لناحية تمكينه الجانب الفلسطيني، بصفته الجديدة، من مقاضاتها أمام المحاكم الدولية. ويزيد من القلق كما من غضب بعض الأوساط في واشنطن، أن طرح هذا الملف تزامن مع تدهور العلاقات بين إسرائيل واثنين من أكبر بلدان المنطقة: مصر وتركيا. تطور بدأت ترافقه تساؤلات ولو أولية ومنفردة، عما إذا كان بالإمكان تحقيق أي تلاقٍ بين إسرائيل والآخرين في المنطقة. ومن هنا كثرة التحذيرات في واشنطن من زيادة العزلة الدولية لإسرائيل وبجريرتها لأميركا.