يبدو أن الأمور في مصر تزداد تعقيدًا، فبعد أن نجحت ثورة الـ25 من يناير في إسقاط نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك وحزبه، ما زالت محاولات المصريين من أجل تتبع ما سموه «فلول النظام البائد» مستمرة؛ لدرجة اعتبار كل من كان يمتّ بصلة للحزب الوطني المنحل، عدوًا وركيزة للثورة المضادة، ظهر ذلك جليًا خلال جلسات المؤتمر الوطني الذي اختتم فعالياته أخيرا لمناقشة مستقبل مصر، حيث طالب شباب الثورة بإقصاء رموز الحزب الوطني ومنعهم من حضور المؤتمر، وهددوا بالانسحاب ما لم ينسحب أعضاء الحزب المنحل، وهو ما هدد بظهور «مكارثية» جديدة في مصر، على غرار ما ظهر في الولايات المتحدة خلال فترة مكافحة الشيوعية بدايات الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق.
الخبراء طالبوا الشباب بضرورة إعطاء الفرصة لأعضاء الحزب المنحل لمراجعة الذات، وأشاروا إلى أن شباب الثورة يكررون نفس سلوك مبارك الذي همش معارضيه، وحذر الخبراء من أن مصر تواجه ما سموها «ديكتاتورية شباب الثورة»، بعد أن تخلصت من ديكتاتورية الرئيس السابق.
تشويه صورة الثورة
وزير التنمية الإدارية السابق د. أحمد درويش، قال في تصريحات خاصة لـ«البيان»، إن هناك ما يسمى «شباب الثورة غير الأصليين»، والذين قاموا بعدد من الخطوات غير المسؤولة، ساهمت في تشويه صورة الثورة، رغم أن هؤلاء الشباب كانوا يطالبون بالحوار في فترة حكم مبارك، وألا يتم تهميشهم أو إقصائهم. وطالب بألا يضع أحد نفسه «محل القاضي أو القضاء»، قائلاً: لابد «أن نعطي الفرصة للقضاء كي يبين ويوضح من المدان ومن المظلوم»، بحسب تعبيره.
مراجعة الذات
من ناحيته، قال عضو مجمع البحوث الإسلامية ووكيل الأزهر الأسبق محمود عاشور، إن «الهجوم على الآخر وحرمانه من ممارسة حقوقه في المجتمع كمواطن عادي أياً كان جرمه، أمر غير جائز شرعًا».
ووصف عاشور مهاجمة أعضاء الحزب المنحل لمجرد أنهم أعضاء أو لهم صلة به بأنها «هوجة شباب»، من شأنها أن تنتهي وتعود الأمور إلى طبيعتها، لافتاً إلى أن عضو الحزب الوطني له حق المشاركة أيضًا، مادام قد آمن بالثورة ومفاهيمها فيما بعد، ويجب أن يتم إعطاء فرصة أخرى له لما سماها «مراجعة الذات».
أعداء الوطن
إلا أن خطيب الثورة د. مظهر شاهين، وصف أعضاء الحزب الوطني بأنهم «أعداء الوطن»، ويجب إقصاؤهم من الساحة السياسية بشكل عام، مطالبًا حكومة رئئيس الوزراء المصري عصام شرف والمجلس العسكري بمنع إشراك أي منهم في العملية السياسية لأنهم، وبحسب قوله، «قتلوا أبناء هذا الوطن، وإنه لا تصالح في الدم مهما كان السبب».
أمر قضائي
من جهته، رفض عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين محمد علي بشر، فكرة «لفظ الآخر»، خاصة أعضاء الحزب الوطني قائلاً: الإقصاء «لابد أن يكون بأمر القضاء، ولو حكم القضاء باستمرار هؤلاء على الساحة السياسية وأن يمارسوا دورهم الطبيعي فعلينا جميعًا أن نحترم هذا الأمر».
وفرّق بشر بين الفعل الذي ارتكبه عضو من أعضاء الحزب الوطني بشخصه، وبين العمل الذي قام به العضو متضامنًا مع الحزب وفكرة التحزب، موضحاً أن كثيرًا من الدول قامت بحرمان عدد كبير من الساسة من مزاولة عملهم لمدة دورة أو دورتين من مجلس الشعب؛ نظرًا للأعمال التي قاموا بها تضامناً مع الحزب البائد أو الأشخاص والمؤسسات التي أضرت الدولة بشكل عام، متمنيًا أن يتبنى القضاء المصري مثل هذا المفهوم.