بعد يومين من اللقاء العاصف بين الرئيس أوباما ونتانياهو في البيت الأبيض، حول حدود 67؛ افتتح اللوبي الإسرائيلي بواشنطن مؤتمره السنوي. كلاهما ألقى كلمة في المناسبة. الرئيس تحدث يوم الافتتاح. وفي مساء اليوم التالي، الاثنين، استمع المؤتمرون إلى كلمة نتانياهو. الفارق بين الخطابين ملفت وصارخ. الأول بدا كمن جاء ليس فقط للتطمين والتوضيح، بل أيضاً لتطييب الخواطر وبما يقرب من الاعتذار. أو هكذا ترك الانطباع. وكأن في الأمر هفوة ارتكبها وجاء لتصحيحها. فيما تجاهل الثاني الموضوع وبقي على غطرسته وإصراره على مواصلة التحدي والاستفزاز.
الرئيس أوباما، خصّص نصف حديثه لشرح حقيقة ما عناه في خطاب الخميس، بحدود 67 معدّلة، كأساس للتفاوض حول الدولة الفلسطينية. عاد وكرّر، أمام جمهور قابله بترحيب فاتر وأحياناً بصيحات الاستهجان، وبكثير من التفصيل والتعليل بأنه لم يأت بجديد وأنه شدّد على ترك البت في الموضوع للطرفين وفق مبدأ المقايضة في الأراضي. وكأنه كان يطلب براءة ذمة. مع أن ما سبق وقاله في هذا الصدد لا يحتاج إلى تبرير أو تأكيد. فهو واضح ومتداول ومسلّم به، ولو ضمناً، من زمان.
وهو بكل حال خطوة صغيرة، لا تشكل حتى بداية متواضعة، طالما بقي أمر ترسيم الحدود مرهون بالتفاوض الثنائي المتحكمة فيه إسرائيل. عملياً إلا إذا كان الرئيس أراد من طرحه تأسيس مدخل ينتهي على دفعات، بخريطة أمر واقع. إذا كان الأمر كذلك، حسب ما رأى بعض الخبراء؛ عندئذ يكون قد أخطأ في لجوئه إلى أسلوب جسّ النبض. كان البديل المطلوب، وضع الخريطة أو خطوطها العريضة مرة واحدة أمام نتانياهو، ومطالبته التفاوض في إطارها.
وكانت جهات ومرجعيات وازنة قد دعت الرئيس إلى الإقدام على مثل هذه الخطوة؛ على أساس أن التجربة أثبتت استحالة التوصل إلى تسوية من دون تدخل نوعي أميركي.
في المقابل، تجاهل نتانياهو في خطابه الردود التي أثارتها نبرة التحدي التي طبعت تصريحه في البيت الأبيض. لم يأت على ذكر الموضوع، لا من باب التوضيح ولا من باب التلطيف. ولا حتى على ذكر الرئيس أوباما بالاسم، إلا في معرض شكره على المطالبة بإطلاق سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، الأسير لدى « حماس» وعلى إعلان التزامه الصلب بأمن إسرائيل.
لكن لم يفته تجديد رفضه العودة إلى حدود 67، متذرعاً بكذبة أنها «غير قابلة للدفاع عنها». ووعد بالمزيد من التفاصيل حول موضوع السلام، في خطابه أمام الكونغرس. ومن المتوقع أن يتمادى في تضخيم الموضوع وتصويره بأنه أمر يمس امن إسرائيل. فهو يتقن فنّ التزييف ويستقوي بالكونغرس المعروف باحتضانه اللامحدود لإسرائيل وسياساتها. خاصة هذا الكونغرس ومع نتانياهو بالذات. ففي الأيام الأخيرة قامت قيامة العديد من أعضائه على الرئيس أوباما وطرحه لموضوع الحدود.
صحيح أن الرئيس أوباما بقي، في خطابه أمام اللوبي، على طرحه لمسألة الحدود. لكنه لم يقو على تسويقه.
نتانياهو خاض حملة استنفار ضدّ التحرك، لأنه ليس في وارد العودة إلى الطاولة. جماعاته في واشنطن ما فتئت تزعم منذ بداية الانتفاضات، بأن الأزمة في المنطقة لا علاقة لإسرائيل بها. كرر هو هذا الزعم في خطابه أمام اللوبي. مع أن هناك في واشنطن من وجّه الملامة لنتانياهو، لأنه وقف بوجه خطوة أرادت منها الإدارة استباق قرار الاعتراف الدولي بدولة فلسطين.