التوجهات الإمبراطورية نزعة تستبد آفاتها بالأمم والدول عبر مراحل شتى من سياق التاريخ الإنساني. وبغير توغل بعيد في دفتر الزمن، يكفي أن نسجل أن النزعة الإمبراطورية غالبا ما تراود الدول بعد أن تتمكن هذه الدولة أو ذلك الشعب من إحراز إنجازات فارقة في حياة الناس. هكذا كان حال أسبانيا مثلا بعد أن أنجزت اكتشاف «الدنيا الجديدة» ممثلة في الوصول إلى سواحل أميركا الشمالية وأصقاع أميركا الوسطى على يد «كولومبوس» ومن جاء بعده، فإذا بالحلم الإمبريالي إياه يستبد بحكام أسبانيا كي يؤسسوا ما عرف باسم الإمبراطورية الأسبانية في أقطار قارة أميركا الجنوبية.
وهكذا كان حال فرنسا التي عمدت إلى تأسيس إمبراطوريتها خلال سنوات استعمار أفريقيا في القرن التاسع عشر مستندة في ذلك إلى نجاح ثوراتها السياسية والتحريرية الكبرى في عام 1789 ثم في عام 1830 وما بعده.
وهكذا فعلت انجلترا بالذات عدما أحرزت قصب السبق في مجال العلم والكشف والابتكار، ولاسيما بعد التوصل إلى ثورة البخار والاستخدام الرائد للقطار بكل ما أحدثه من تغييرات جذرية بحق في مضمار النقل والاتصالات، فكان أن شرّقت انجلترا وغرّبت كما يقولون من أجل تركيز وتوسيع إمبراطوريتها منذ مطالع القرن 19 بالذات ولدرجة أن بات أهلها يرددون أشعار «رديارد كبلنغ» (1865- 1936) الشهيرة التي كانت مطالع أبياتها تردد المقطع التالي: ألا فلتحكمي يا بريطانيا كي تسودي هذا العالم.
يصدر هذا الكتاب ليشكل إضافة لها قيمتها ضمن سلسلة الإصدارات التي تزامنت مع دعوات «المحافظين الجدد» منذ ولاية الرئيس بوش الابن إلى أن تتبوأ أميركا مكانة القطب الأوحد في عالم القرن الواحد والعشرين، وهو ما ترجمته أوساط أكاديمية وسياسية في أميركا والعالم بأنه «نزعة إمبراطورية» تطمح أو تكاد، إلى الاضطلاع بالدور الذي سبقت إليه في العالم القديم إمبراطورية الرومان.
من هنا كان طبيعيا أن تبادر الصفوة من عقلاء السياسة الأميركية إلى التنبيه، بل التحذير، من مغبة الانسياق وراء هذه الطموحات الإمبراطورية، التي أكد نفر من هؤلاء المحللين على أنها تواجهها تحديات سياسية، فضلا عن التحديات الاقتصادية التي تحولت بها أميركا ـــ كما أصبح معروفا ـــ إلى موقع الطرف المدين الذي تعاني خزائنه القومية أوجه عجز أكثر من فادحة ولاسيما بعد اختلال الميزان التجاري لصالح الصين، من هنا يتفرد هذا الكتاب بأنه يصدر بقلم أستاذ في السياسة ولكن مع التركيز على الاقتصاد، وبالذات على دعوة للتقشف ولترشيد الاستهلاك وتقليل التكاليف في مجال البترول على وجه الخصوص ويرادف ذلك دعوة المؤلف إلى استكشاف مصادر متجددة من الطاقة منبها إلى أن ذلك لا يعني انعزال أميركا عن التعاطي مع المشاكل العالمية الكبرى، ولكن الأمر يقتضي تقليل الاستهلاك بما يكفل مواجهة سليمة وناجعة لتداعيات الأزمة العالمية الراهنة.
حلم الإمبراطورية
من هنا يجوز القول بأن حلم الإمبراطورية، بمعنى السيادة بغير حدود والهيمنة التي لا يصدها غريم أو منافس ولا حتى شريك ـــ هذا الحلم كان لابد وأن يراود أفئدة أميركا، وخاصة بعد أن زال من خارطة العالم خلال تسعينات القرن الماضي غريمها السوفيتي اللدود، وكادت مقاليد العالم مع بزوغ القرن الواحد والعشرين، تأتي منقادة إلى أيدي أميركا لتصبح القطب الأوحد في عالم القرن المستجد، فلم تك تصلح إلا لهذه المكانة ولم تك تصلح هذه المكانة إلا لها، على نحو ما يقول أبو العتاهية في بيته الشهير في متن الشعر العربي.
بيد أن عالم القرن 21 لم يأت على ذلك القدر السابق من البساطة وعدم التشابك أو التعقيد على نحو ما كانت عليه عوالم القرن 18 أو القرن 19 للميلاد.
صحيح أن الحلم الإمبراطوري راود أميركا بعد نجاحها في إنجاز ثورة الاتصالات بالأقمار الاصطناعية وثورة الحواسيب بالتوصل إلى شبكة المعلومات الكوكبية (الانترنت)، فضلا عن مكانة القطب الواحد على نحو ما أسلفنا، إلا أن الأصح أن عصر العولمة المستجد في أيامنا الراهنة أصبح من حيث التشابك والتكافل (الاعتماد المتبادل) لدرجة لم يعد يصحّ فيها وجود كيان إمبراطوري يأمر فيطاع دعك من كيان يمكن لأحد أن يتجاسر علي أن يعيد على مسامعنا دعوة «كبلنغ» شاعر الاستعمار كما يسمونه أن، احكمي وتحكمي يا بريطانيا. في ضوء هذا كله، جاءت أحلام ودعوات الدور الإمبراطوري لأميركا محفوفة بكتابات واجتهادات تحذر في مجموعها مما يمكن أن يسفر عنه هذا الدور من مشاكل وعقبات.
مع حكم المحافظين
والحق أن تجلت وتعمقت الدعوة إلى أميركا - الإمبراطورية مع استيلاء فصيل المحافظين الجدد على مقاليد الأمور في واشنطن ذاتها مع دخول بوش الابن إلى مكتب الرئاسة البيضاوي الشهير في البيت الأبيض، وكان ذلك كما هو معروف في السنة الأولى من الألفية الثالثة.
لكن هذا الاستيلاء «المحافظ» على مقاليد أمور الولايات المتحدة جاء متزامنا مع كتابات أكاديمية واجتهادات فكرية ترددت أصداؤها في تلك الفترة عبر دوائر شتى من عالمنا. وكان أبرز الاجتهادات ما توصلت إليه طروحات البروفيسور «جوزيف ناي» أستاذ العلوم السياسية بجامعة «هارفارد» في كتابه الصادر تحت العنوان التالي: تناقض الإمبراطورية.
وفي الكتاب تحذيرات أكثر من واضحة تنبّه جماعة النزعة الإمبراطورية إلى أن العالم لم يعد يتقبل «روما» جديدة تنظم شئونه وتلقّن شعوبه وأقوامه دروسا في إدارة الأمور على نحو ما كانت تفعل إمبراطورية القياصرة في الزمن القديم.
قال بيل كلينتون
يومها لم يجد المحافظون إياهم من نقد يوجهونه إلى كتاب «تناقض الإمبراطورية» سوى أن يرددوا في وسائل الإعلام التابعة لهم أن الأستاذ «ناي» قد غلبت عليه موجة التنظير والإغراق في البحث الأكاديمي بعيدا عما استطاعت أميركا أن تحوزه من منعة وقوة جبارة.
من هنا تأتي قيمة كتاب آخر صدر منذ 5 سنوات أو نحوها، محذرا بالتحديد من السلوك السياسي الخاطئ أو المضلل لدرجة سوء استخدام هذه القوة الغالبة أو المنعة الجبارة.
هذا هو بالضبط العنوان الفرعي للكتاب الذي اختارت له مؤلفته، السفيرة «نانسي سودبرغ» العنوان الرئيسي التالي: خرافة القوة العظمى.
والعنوان في تصورنا مرادف لمعنى خرافة الإمبراطورية.
وفي هذا السياق يذهب الرئيس الأمريكي الأسبق «بيل كلينتون» في تصديره لكتاب السفيرة المؤلفة إلى القول بما يلي: إن بلدنا لم يعد بوسعه أن ينسحب من التعامل مع مشاكل العالم، فيما لم يعد بوسعه بنفس القدر أن يحلها منفردا بطريقته الخاصة.
هذه هي الخلفية التي نتصورها مهادا لصدور الكتاب المستجد الذي نتعامل مع سطوره وطروحاته في هذه السطور.
والحق أن عنوان كتابنا ينطوي على مشكلات إن شئنا الدقة في ترجمة ما تنصرف إليه عبارة العنوان المذكور.
صحيح أنه يتكلم بداهة عن قوة ـــ دولة عظمى لكنها ليست بالدولة العظمى التي ينصرف إليها التعريف البديهي الشائع أو التقليدي المتعارف عليه.
إنها دولة عظمة، بمعنى متقشفة أو مستورة أو إن شئت، دولة عظمى لكن على قد حالها كما يقول التعبير الدارج وهي تلك التي تدبر أمورها وتحاول توفير مصروفاتها وترشيد ما قد ينوء به اقتصادها من مغارم أو تكاليف.
دعوة للتحجيم
على أن المشكلة لا تقتصر على الدعوة إلى الاقتصاد في التكاليف المادية التي تصل في الحالة الأميركية إلى خانة المليار وربما التريليون.
إن دعوة الكتاب تتمحور أيضا حول الحد من التوسع في سياسة أميركا الخارجية بكل ما تنطوي عليه من بذل جهود واسعة النطاق وإنفاق أموال طائلة في بنود التشغيل وإدارة العمليات ودفع المرتبات وبالطبع صرف مبالغ المعونات المدنية والعسكرية (ولا تنس بالطبع تكاليف عمليات الاستخبارات وهي باهظة بحكم التعريف بطبيعة الحال).
وينبه مؤلفنا «مايكل مندلباوم» إلى أن هذه دعوة أميركا إلى، الاقتصاد (بمعنى التدبير والتوفير) لإنقاذ الاقتصاد (بمعنى النظام الاقتصادي) باعتبار أن الخزانة القومية الأميركية ما برحت تعاني حالة عجز متشعبة ومتفاقمة نتيجة الديون الداخلية الفادحة وبحكم مقتضيات الصرف الوجوبي على بنود لا محل لتجاهلها وفي مقدمتها بالطبع نظام التأمين ـــ الضمان الاجتماعي (فما بالك بدعوة الرئيس أوباما إلى ترشيد وتطوير نظام الرعاية الصحية على المستوى القومي لجعله إلزاميا من جهة ولصالح ملايين الفقراء الأمريكيين من جهة أخرى وهو ما استدعى معارضة بالغة الشراسة من جانب خصومة السياسيين في الحزب الجمهوري المعارض). هذا فضلا عما هو معروف من اختلال الميزان التجاري للولايات المتحدة لصالح شريك تجاري بالغ الشراسة اسمه، الصين.
لا انسحاب من العالم
بيد أن فصول الكتاب لا تحوي دعوة إلى انسحاب أميركا من التعاطي المتشعب مع قضايا عالمنا ومشكلاته. إن مؤلفنا، بحكم كونه واحدا من صفوة علماء السياسة في أميركا، وبوصفه في طليعة خبرائها في ميدان السياسة الخارجية والعلاقات الدولية ـــ هو أول من يعرف أن هذا التعاطي الخارجي من جانب واشنطن إنما يصب بالدرجة الأولى في خدمة المصالح القومية العليا للولايات المتحدة ذاتها.
من هنا فإن كتابنا لا يلبث يستدرك موضحا ـــ على نحو ما يذهب النقاد الأميركيون- ما يلي: إن البروفيسور «مندلباوم» ليس بالغافل عن مغبة ما قد يحدث إذا ما توقفت أميركا عن خوض حروب الآخرين، لكنه أول من يدرك في الوقت نفسه ما عساه يحدث لو استمرت أميركا في خوض «كل» حروب الآخرين فذلك أمر من شأنه أن يشكل خطورة فادحة تضر بأميركا نفسها.
في هذا السياق بالذات نلاحظ من سطور كتابنا أن المؤلف، يبتعد بالقارئ عن قضايا السياسة المباشرة، وعن قضايا علاقات الدول على نحو ما نألفه ونعايشه كي يركز على قضية يراها تتسم بخطورة بالغة بقدر ما أنها فريدة أيضا وهي قضية يختصر عنوانها في كلمة واحدة: البترول.
يقول المؤلف: لأن أميركا تستأثر بمعظم استخدامات البترول في العالم، فإن الدعوة إلى إجراء خفض ضخم في استهلاك أميركا الشامل من هذه السلعة بالذات يمكن أن تفضي إلى خفض سعرها على مستوى العالم. وهذا يؤدي بالتالي إلى تقليل حجم الأموال التي تجنيها على الحكومات التي تعتمد بشدة على تلك العائدات.
ثم يلمح المؤلف أيضا إلى أن هذا التخفيض في الاستهلاك الأمريكي يمكن أن يفيد الاقتصاد في بلاده فيما قد يحرم بعض الحكومات المناوئة لواشنطون من عائدات سخية، وهو ما يعود بالجدوى على واشنطون ذاتها.
هنا كذلك يطرح كتابنا السؤال المتعلق بإمكانيات سد النقص أو التوفير ـــ هل نقول التقتير المقترح في استهلاك أميركا من البترول.
استراتيجية لخفض الاستهلاك
وبديهي أن مثل هذا الأمر لا يفوت مؤلف الكتاب الذي يتحول في فصول لاحقة إلى اقتراح ما يصفه بأنه «استراتيجية لاحتواء (بمعنى خفض) الاستهلاك» وهي تقضي بالتحول صوب أشكال متجددة من الطاقة بخلاف النفط فضلا عن تكوين أكثر من جماعة للدعوة أو الضغط أو الإقناع والحشد والإعلام (يستخدم في هذا السياق مصطلح لوبي الشهير في معجم السياسة الأميركية) وهذه «اللوبيهات» يسند إليها مؤلفنا عملية الدعوة إلى فرض ضريبة إضافية (تصاعدية حسب حجم الاستهلاك) على البنزين، موضحا في هذا الصدد كيف أن هذه الضريبة كفيلة بأن تؤدي إلى تقليل الاستهلاك والتشجيع على التوسع في التماس واستخدام مصادر الطاقة المتجددة البديلة بحيث تصبح هذه الأشكال متنافسة اقتصاديا مع النفط، فضلا عما يتصوره كتابنا من تعزيز مكانة أميركا نفسها في نهاية المطاف.
يقول المؤلف في هذا الخصوص: مثل هذه الحالة كفيلة بأن توضح أو تدلل على أن الولايات المتحدة قادرة على اتخاذ الخطوات التي تؤكد التعامل مع قضية تؤثر على مجريات الأمور في العالم بأسره، بمعنى أن تصبح نموذجا حيا على تمتع أميركا بمكانة القيادة في العالم.
من السياسة إلى الاقتصاد
هكذا يتفرد كتابنا بأنه عمل من إصداره أستاذ كبير في عالم السياسة ولكنه اتخذ محوره أساسا في علم الاقتصاد، وفيما يؤكد مؤلفنا على أن ضعف أميركا أمر ليس في مصلحة العالم، لكن تزداد أهمية الكتاب في أنه يعترف أولا بضرورة الحد من نزعة الاستهلاك الذي يبلغ حد الاهتلاك، بمعنى الهدر والإسراف الأرعن بالنسبة لاستخدام الموارد الطبيعية وفي مقدمتها البترول بطبيعة الحال.
ومن هذه الميزات أيضا ذلك التسليم بأنه لم يعد ثمة مكان أو مبرر منطقي لنظرة الاستعلاء التي سبق وتعامل بها المحافظون الأميركيون الجدد مع قضايا العالم ومشاكله، وربما يصدر كتابنا عن النظرة الواقعية ـــ البرغماتية التي سبق اليها أستاذ أمريكي كبير هو «بول كيندي» في كتابه الشهير الصادر بعنوان «صعود وسقوط القوى الكبرى» حين قال كينيدي بالحرف:
- إن الإمبراطورية الأميركية لن تختفي أو تزول، لأن أميركا لا تملك إمبراطورية في الأساس.
هي نفس النظرة البرغماتية التي جعلت مؤلفنا يحذر مما وصفه في كتابه بعبارة «طغيان الأرقام» محذرا قومه في أميركا من الانسياق وراء الأرقام التي تصور أميركا في أهاب أعظم وأكبر وأغنى دولة على سطح الأرض.
ومن هنا أخيرا جاءت دعوته إلى حسن التدبير وترشيد الإنفاق واتباع جادة التقشف في استخدام الموارد الطبيعية والاقتصاد في تحمل التكاليف وهي دعوة نراها من الأهمية بمكان بحيث يصار إلى إتباعها من جانب دول العالم كله خاصة إذا ما كانت أميركا هي النموذج السابق إلى تفعيلها، وهي نموذج جدير بالإتباع في كل حال خاصة من جانب دولة مازال هناك من يصّنفها في خانة القوة، أو الدولة العظمى في نظامنا العالمي المعاصر.
عدد الصفحات: 224 صفحة
تأليف: مايكل مندلباوم
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: ببلك أفيرز، نيويورك، 2011