هذا الكتاب هو في التحليل الأخير سيرة شخصية لحياة وأعمال المفكر الكندي «مارشال ماكلوهان»، أستاذ الأدب والنقد الإنجليزي في جامعات أميركا وكندا الذي يمكن القول بأنه أحدث حالة من التثوير في مجال علوم الاتصال ودنيا الإعلام وخاصة من خلال دراسته للعلاقة، الجدلية كما قد نسميها، بين الإنسان والتكنولوجيا وللأسلوب الذي تؤدي به الاكتشافات والاختراعات في العصر الحديث إلى تشكيل سلوك وشخصيات وأفكار البشر ما بين الطباعة إلى الكهرباء وما بين التلفاز إلى الحاسوب وشبكة المعلومات الالكترونية. وربما تتمثل ميزة هذا الكتاب في عنصر التشويق الذي استخدمه المؤلف في سرد أبعاد هذه السيرة الشخصية، وخاصة لدى التعرض لآفة التوحد التي واكبت حياة البروفيسور ماكلوهان وإن بصور غير نمطية، ولكنها في كل حال صبغت سلوكيات الرجل، وشكلت كثيرا من الأفكار التي توصل إليها ومن أنماط السلوك التي كان يتبعها كأستاذ وباحث ومواطن وإنسان، ومنها ما كان يتسم كما توضح صفحات الكتاب بقدر لا يُنكر من غرابة الأطوار، ومن ذلك مثلا عدم اتخاذ ماكلوهان موقفا محددا من صراع الحرب العالمية الثانية التي اندلعت حين كان يافعا في الثامنة والعشرين، أو نظرته إلى دور المرأة في المجتمع على أنه دور هامشي أقرب إلى الإكسسوار في حياة الناس. ورغم قسوة مثل هذه التصورات إلا أنها تضفي على كتابنا مسحة واقعية من ناحية ولمسة تتفهم أبعاد الضعف الإنساني من ناحية أخرى.
هذا كتاب غريب أصدره مؤلف غريب واتخذ لموضوعه سيرة أكاديمي ومفكر أكثر غرابة بكل معنى! قد تبدأ هذه الغرابة من عنوان الكتاب ذاته فضلا عن اسم المؤلف شخصيا.
عنوان الكتاب يواجه القارئ بقوله: إنك لا تعرف شيئا عما أفعله. والمعنى أن جمهرة الناس، سواء كانوا مثقفين ممن يطلق عليهم وصف «الانتلجنسيا» أو كانوا من عباد الله العاديين ممن شُغفوا بأمر القراءة أو الاطلاع، لا هؤلاء ولا أولئك يستطيعون حسب عنوان كتابنا أن يسبروا الأغوار ؟ كل الأغوار التي تتعمق فيها أفكار وطروحات ونظريات بطل هذا الكتاب.
فإذا أتينا إلى اسم الشخصية التي يدور حولها محور الموضوع نجد أن هذا الاسم يبدأ باللفظة التالية: مارشال.
ولا تحسبن أننا بإزاء عسكري ذي رتبة رفيعة هي تلك التي تفوق بداهة رتبة الجنرال. إننا بإزاء اسم اختارته أم لوليدها الصبي حين وضعته في يوم من أيام عام 1911 وبعدها شّب الفتى ليحمل الاسم المركّب التالي: هربرت مارشال ماكلوهان.
وضعته أمه في ولاية البرتا من أعمال كندا، ودفعت به من بعد للالتحاق بالدراسة الجامعية الأولى في جامعاتها. وبعدها قرر الفتى أن يكمل دراسته المتخصصة في الأدب والنقد الإنجليزي في رحاب جامعة كامبردج البريطانية المرموقة، حيث أتيح له أن يتتلمذ على أيدي أكبر نقاد العصر الحديث وكان على رأسهم وقتها كل من البروفيسور «ريتشاردز» والبروفيسور «ليفيز»، اللذين وضعا ما أصبح يعرف في دنيا الأدب المعاصر بأنه اتجاه «النقد الجديد»، الذي يركز بالدرجة الأولى على مضمون وشكل الإبداع الفني قبل أن يعرض لسيرة المبدع أو نوازعه الشخصية، وبعد استكمال الدراسة العليا عاد «مارشال ماكلوهان» ليعمل مدرسا في الجامعات الأميركية إلى أن انتهى به المطاف أستاذا بارزا في جامعات كندا ومؤسِسا لمركز الثقافة والتكنولوجيا في جامعة تورنتو وبعدها أصبح المركز المذكور ؟ كما يقول الكتاب الذي بين أيدينا - بمثابة قاعدته الثقافية أو هو منصته لإطلاق الأفكار الجديدة بل المثيرة وغير المسبوقة التي طيّرت اسم «مارشال ماكلوهان» في أجواز دنيا الإعلام على مدار ربع القرن الفاصل بين بداياته الفكرية ؟ الإعلامية في منتصف الخمسينات إلى لحظة رحيله إلى عالم البقاء في عام 1980.
عن غرابة الأطوار
كتابنا يعرض لهذه الحياة الحافلة بالإنجاز العلمي والتجديد الفكري، ولاسيما في دنيا الاتصال ودنيا الإعلام، بقدر ما حفلت أيضا بما عمد كتابنا إلى إبرازه من التفرد السلوكي بل وغرابة الأطوار في الفصول الاستهلالية من هذا الكتاب.
يرسم مؤلفنا، «دوغلاس كوبلاند» وهو كاتب متمرس في هذه النوعية من الكتابات، كيف نشأ بطله «مارشال ماكلوهان» مخلوقا أقرب للإصابة بآفة العزلة والانعزال لدرجة التوحد. وقد أصيب بجلطة أعجزته عن الكلام وعزاها الأطباء إلى نمط غير سوّي من التركيب البيولوجي حيث زودته الطبيعة بشريانين يضخان الدماء إلى مخّه بغير انقطاع.
بخلاف ذلك فمازال بطلنا ؟ وهو موضوع الكتاب - يتمتع بمكانة سامقة بحق في بانثيون علوم الاتصال والإعلام، بل امتدت هذه المكانة إلى دنيا السياسة وربما الاقتصاد على السواء.
كيف؟ لأن مارشال ماكلوهان هو الذي سبق مع مطالع عقد الستينات (نحو نصف قرن حتى لا ننسى) إلى طرح تصوره المستجد بل المبتكر لعالَم المستقبل قائلا وقتها»: إن العالم في طريقه بفضل ثورة الاتصال إلى أن يصبح قرية كونية صغيرة أو فلنقل قرية الكترونية بشكل من الأشكال.
لا غرابة، إذن أن نجد من يُطلق على ماكلوهان لقبا فريدا هو: نبّي الإعلام الالكتروني الحديث. بمعنى التبشير واستشراف مستقبل تطورت وسائل الإعلام من حيث تأثيراتها البالغة عمقا ونفاذا لدرجة الوسواس في بعض الأحيان، في حياة البشر منذ أواخر القرن الماضي ومع أيامنا الراهنة في مطالع القرن الحادي والعشرين.
بين التقنية والبشر
يوضح كتابنا في متابعته سيرة هذا العالم الكندي الكبير كيف أمعن الرجل في تدارُس علاقة الإنسان بالتقنية، وكيف ذهب ماكلوهان إلى القول بأن المخترعات ؟ المنجزات ؟ الفتوحات التقنية التي استجّدت عبر القرون على حياة الناس، انعكس أثرها العميق ليشكل سلوك البشر وأفكارهم ومشاربهم ورؤيتهم للعالم الذي يعيشون فيه.
في هذا السياق بالذات يوضح الكتاب كيف تأمل مارشال ماكلوهان مثلا تأثير اكتشاف حروف الطباعة المتحركة آليا (على يد الألماني جوتنبرغ) في أوروبا القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر، فكان أن أدت إلى تنميط حركة وفكر وسلوك الإنسان الذي أصبح يأنس إلى صفحات كتاب يأوي إليه في غرفة أو زاوية ويتابع الحروف التي تتوالى منطقيا وتراتيبيا أمام عينيه وفكره، لا يمكن أن يقرأ حرفا قبل حرف ولا يتعدى جملة إلى أخرى ولا سطرا إلى ما بعده ولا صفحة إلى أخرى تليها» كل شيء منمّط، مرتب منطقيا وميكانيكيا بقدر تنضيد حروف الطباعة التي اكتشفها الأخ جوتنبرغ، وهو ما أصاب البشر بصفة التنميط من جهة فيما أشاع مع ظهور الكتاب المطبوع روح الفردية في أوروبا، خلال العصر الحديث من جهة أخرى.
ثم اكتشفوا الكهرباء
على العكس تماما، يقول ماكلوهان ؟ جاء تأثير اكتشاف إديسون الأميركي للكهرباء في الهزيع الأخير من القرن التاسع عشر. فبقدر ما أشاعت المطبعة روح الفردية والعزلة بين الناس (قارئي الكتب) جاءت الكهرباء لتشيع روحا معاكسة تماما: هي روح التجميع والالتئام وربما التكامل الذي يعكس تقنيا سريان الكهرباء بين قطبين لا فكاك بينهما سالب وموجب، فضلا عن ضرورة هذا السريان للتيار ضمن دائرة كهربية بغير انفصام ولا انقطاع.
هنا يتابع كتابنا أيضا أهم الأعمال الفكرية التي أصدرها البروفيسور ماكلوهان حيث تتبوأ صدارتها كتابه الأشهر في علوم الاتصال الصادر تحت العنوان التالي: فهم الوسيلة: امتدادات للإنسان
يتابع مؤلفنا ما يذهب إليه ماكلوهان من أن الوسائل والمخترعات التقنية التي نستخدمها في حياتنا اليومية ما هي إلا امتدادات لأجسامنا أو لجوارحنا أو أعضائنا!
ألا ترى مثلا أن الميكروفون هو امتداد ؟ مكبِّر طبعا ؟ لأوتارنا الصوتية؟ وأن الهاتف هو امتداد لجهازنا السمعي؟. بل ها هي الملابس، ملابسنا، وقد شكلت ؟ في تصور الأستاذ ماكلوهان ؟ امتداداً لبشرتنا وجلودنا!
عن الذكاء الاصطناعي
بالمقياس نفسه يمكن أن تتابع تصورات ماكلوهان الذي رحل عن الدنيا قبل انفجار ثورة المعلوماتية، كي نقول ان الحاسوب يمثل موضوعيا امتداداً لعقولنا، وليس صدفة أن بدأ الناس يطلقون عليه منذ عقود صفة العقل الالكتروني، فيما يصنفه الاختصاصيون من حيث النشاط والفعالية تحت بند يحمل الاسم التالي: «الذكاء الصناعي».
انها الصفة التي نقل فيها البشر مدركاتهم وملكاتهم بحيث يتم استخدامها بواسطة كائنات اصطناعية لعل في مقدمتها ما يحمل بداهة اسم «الروبوت».
في كل حال نلاحظ أن كتابنا يتخذ شكل الرواية. ويجهد مؤلفنا في تقصي الجوانب الدرامية ذات البعد الإنساني، ضعفا وقوة ؟ في السيرة الشخصية للبطل، وإن كان هناك من النقاد من لاحظ أن التركيز ينصّب بالذات على هذا البطل ؟ الفرد أستاذا ومفكرا دون التوقف كثيرا عند أسرته، زوجته أو أبنائه، وكأنما يصدر مؤلفنا عن موقف يقول فيه أن أفكار الرجل هي الأوْلى بالرعاية والاهتمام قبل أفراد أسرته، خاصة ما يتعلق بعنصر التنبؤ العلمي والتصور الاستشرافي ؟ المستقبلي الذي تميزت به طروحات ماكلوهان ونظرياته.
وفي كل حال أيضا يحسب لمؤلف هذا الكتاب ؟ على نحو ما يوضح «ديفيد كار» ناقد النيويورك تايمز (عدد 9/1/2001) ؟ أنه أصدر كتابا عن مفكر طالما جهد الأكاديميون في محاولة تفكيك طروحاته وتنظيراته السوبر ؟ خطيرة في مضمار علوم الاتصال، ومع ذلك فقد أفلح الكاتب في بسط أفكار ماكلوهان بصورة تجمع بين الاساغة والطرافة لدرجة ترضي أواسط الناس من عامة القارئين، خاصة أولئك الذين درجوا على أن يسمعوا عبارة ما برحت تتردد في مواقع وظروف شتى بمناسبة وبغير مناسبة في بعض الأحيان، والعبارة هي: «الوسيلة هي الرسالة».
هي إذن العبارة التي أراد فيها مارشال ماكلوهان أن يركز (الى حد المبالغة في تصورنا) على فكرة أن التكنولوجيا أهمّ وأبقى وأشد فعالية وأعمق تأثيرا من المضمون الفكري والصياغة اللغوية والنوايا الفردية أو الجمعية التي تصدر عنها الرسالة الإعلامية.
في هذا السياق بالذات يقول الناقد «ديفيد كار» إن (مؤلف الكتاب) ؟ كوبلاند- يفسر لنا قدرة مارشال ماكلوهان على أن يستبق ما كشفت عنه خبايا المستقبل من أثر بالغ العمق من حيث إلغاء الفوارق التي تُميز هذا الفرد عن ذاك. وكان ذلك في مرحلة مبكرة من بدايات هذا التأثير، وبرغم أن ماكلوهان كان أشبه بأسير محبوس في أبراج الحياة الأكاديمية وبقدر ما كان نتاجا لتلك الحياة، إلا أنه تحرر من هذا السجن لأنه سبق إلى إدراك الآثار المسمومة لوسائل الإعلام وكان ذلك قبل فترة طويلة من مرحلتنا الراهنة التي أصبحت فيها تلك الوسائل هي الهواء الذي نتنفسه.
فن استشراف المستقبل
هذا المنطق في رصد ريادة ماكلوهان يتابعه مؤلف كتابنا حين يستطرد قائلا:
علينا أن نتذكر أن مارشال ماكلوهان وصل إلى هذه الاستنتاجات ليس عن طريق التواصل مع مؤسسات من قبيل وكالة «ناسا» الفضائية أو مؤسسة «آي. بي. ام» المعنية بالحواسيب الالكترونية، ولكن من خلال عكوفه على تدارس الكراسات العتيقة الصادرة في حقبة الإصلاح الديني المسيحي (على يد مارتن لوثر وأتباعه) في القرن السادس عشر، إضافة إلى أعمال الروائي الأيرلندي جيمس جويس مع تأمل ابداعات عصر النهضة في عالم الرسم والتصوير.
من هنا نستطيع القول ان ماكلوهان كان أستاذا في إدراك جوهر الأشياء، وبمعنى أن كان هو الرجل الذي يملك طبلا بلغ من الضخامة الحد الذي لا يقرع فيه هذا الطبل إلا مرة واحدة كل مئة عام. بعدها يوضح كاتبنا كيف أن مؤلفات مارشال ماكلوهان جاءت لتعبر عن هذه الموهبة غير المسبوقة في استشراف الآتي، وهي مؤلفات تحمل أسماء من قبيل: المدار الذي يحلق فيه جوتنبرغ. تصنيع إنسان المطبعة. فهم الميديا: امتدادات للبشر.
دعك من أقوال سبق وأن أرسلها ماكلوهان فإذا بها تشيع في أوساط الأكاديميين وعامة الجمهور على السواء، ومنها بالذات ما يلي: نحن نشكل الأدوات التي نستخدمها. وبعد ذلك نجد أن هذه الأدوات هي التي تتولى تشكيلنا.
ولقد رحل مارشال ماكلوهان منذ 31 عاما، وبقيت أفكاره كما عرضتها صفحات هذا الكتاب، وبديهي أن منها ما هو موضع لاتفاق بل والإجلال، ومنها ما أصبح محل جدل واختلاف، لكن الرجل مازال يتبوأ مَكانَة العالم والمفكر، وهي مكانة تقرب من مراقي التصوف لدرجة أن يطلق عليه البعض وصف «حكيم الإعلام في العصر الحديث». وإذا كان من أفكاره ما يصعب تحليله أو حتى تفهمه واستيعابه، فقد جاءت محاولة الكاتب «دوغلاس كوبلاند» في سردها بأسلوب التسويغ والتشويق، وتلك ميزة جوهرية لهذا الكتاب.
الكتاب: ماكلوهان .. حكيم الإعلام المعاصر
عدد الصفحات: 216
تأليف: دوغلاس كوبلاند
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: أطلس ــ نيويورك ــ 2010
