وصف البرلماني البريطاني هيلاري بن في خطاب له أمام مجلس العموم تنظيم «داعش» بالقول: نحن هنا نواجه فاشيين. كان الخطاب مؤثراً، وجاء بمثابة تذكير بأن أغلبية اليسار البريطاني عارضت مبدأ التهدئة، إلا أنه من حيث التحليل التاريخي فإن خطاب بن مغلوط.
لا شك في أن مقارنة «داعش» بفرانكو وموسوليني وهتلر منح الحكومة البريطانية أغلبية ساحقة في قرارها لضرب أهداف التنظيم في سوريا، لكن منذ أن طرح كريستوفر هيتشنز تعبير «الفاشية الإسلاموية» عقب اعتداءات 11 سبتمبر، وأنا أعارض هذا التناظر.
كلما أمعنا في حشر مشكلات اليوم في إطار منتصف القرن العشرين، تضاعفت نزعتنا لانتظار ظهور «الفوهرر الإسلاموي»، وقد نغدو عاجزين عن إدراك أنه في حين كانت الهيكلية الفاشية تراتبية، فإن الهيكلية الإسلاموية قائمة على عالم الإنترنت تماماً. وفيما كان الاجتذاب الفاشي موجهاً للداخل، فإن الاستعطاف الإسلاموي يتخذ الطابع الدولي.
جدلية عصرية شائكة
وعلى طرف نقيض، تبرز مجادلة عصرية مفادها أن جوهر مشكلات اليوم يعود «لتغير المناخ»، وهي نظرية طالع بها الرئيس الأميركي باراك أوباما الحضور في مؤتمر باريس، أخيراً، حيث قال: إذا سمحنا باستمرار ارتفاع حرارة الأرض على هذه الوتيرة، ولمستوى البحار بالارتفاع بهذه السرعة، فإننا ستضطر قبل أن ندرك لأن نخصص المزيد من مواردنا الاقتصادية والعسكرية للتصدي لمختلف عواقب تغير الكوكب.
وكأننا نقول إن جذور الحرب الأهلية في سوريا تعود إلى ارتفاع حرارة الأرض، والجفاف، ونزوح الفلاحين المعدمين من القرى إلى المدن، على نحو ما طالعنا به أمير ويلز، أخيراً، بما يحفز على التوصل لخلاصات مغلوطة.
دعونا لا نتوهم أن إضافة المقاتلات البريطانية إلى السماء السورية المكتظة ستتكفل بهزيمة «داعش»، أو ببث السلام، لا سيما في ظل ضآلة الأهداف المحددة للطائرات الأميركية والفرنسية من قبل. وفي جميع الأحوال، فإن الطريقة الوحيدة لهزيمة «داعش» ستكون بنشر عناصر القوات الخاصة الأميركية على نطاق واسع، وهو خيار يرفض أوباما التفكير فيه، بما لا يدل مطلقاً على أنه لديه أدنى فكرة عن الخطوة اللاحقة.
حرب خماسية الأطراف
الحرب الأهلية السورية عبارة عن صراع غريب، خماسي الأطراف، تدخلت فيه 15 جهة غربية على الأقل على مراحل مختلفة، منذ اشتعال الشرارة قبل أربع سنوات.
فمن جهة، نجد قوات الحكومة السورية إضافة إلى مختلف الميليشيات الشيعية، بما فيها حزب الله الذي يتلقى الدعم من كل من إيران وروسيا، كما أن هناك الجيش السوري الحر، إضافة إلى بعض الميليشيات السنية المنتسبة المدعومة من كل من أميركا وفرنسا وتركيا واليوم بريطانيا وبعض الدول العربية.
إلا أن بعضاً من تلك الدول العربية ذاتها تدعم جماعات متشددة على ارتباط بالقاعدة، كجبهة النصرة. ويقاتل هؤلاء بانتظام على خلفية المبدأ السائد في الشرق الأوسط بأن عدو عدوي هو عدوي وصديق صديقي على الأرجح عدوي، تنظيم «داعش»، الذي يتمول ذاتياً من الهبات الخاصة العربية، ومن بيع النفط لتجار أتراك.
كما أن هناك الأكراد الذين يقاتلون تحت ثلاث رايات، أكبرها وحدات حماية الشعب، التي تلقى الدعم من كردستان العراق، إضافة إلى أميركا وبريطانيا وكندا وفرنسا.
إنه لوضع مربك، أليس كذلك؟ تخيل الآن أنك أحد طياري سلاح الجو الملكي تحلق بمقاتلتك فوق تلك البقعة. بعد التفكير سيكون من الأسهل بأشواط أن نلقي باللوم على قضية تغير المناخ ورش المياه،حيث تبدو المحاصيل مائلة للذبول.
وبالمقارنة مع ذلك كانت الأوضاع أيام الثلاثينيات أسهل، فحين تم التخلي عن مسألة التهدئة كلياً، اتضحت هوية العدو ومكانه، وعلى نحو مماثل أتى التعامل مع عدو الداخل بطريقة مباشرة.
أما اليوم فهيلاري بن يعتقد أننا نحارب فاشيين، ويحيل أوباما القضية إلى تغير المناخ، ولكم أود أن ينبري أحدهم ويلقي خطاباً رناناً عن منافاة كل ذلك للمنطق، لكني أفترض أن هذا النوع من الخطب لن يلقى التصفيق.
آفة سوريا
هل من أحد يعتقد جدياً أن تخفيض مستوى انبعاثات ثاني أكسيد الكربون يوقف تفكك دول منطقة الشرق الأوسط؟ وهل تؤدي كل حالات الجفاف إلى حروب أهلية، أم أن الأمر يقتصر على سوريا وحسب؟
دعونا نجرب نهجاً آخر، نهجاً يُعنى على نحو أفضل بما نحن إزاءه اليوم. يختتم الكاتب الروسي الكبير دوستويفسكي رواية «الجريمة والعقاب» بحلم محموم يراود القاتل راسكولنيكوف يرى فيه «العالم بأكمله يعاني من آفة رهيبة غير مسبوقة لا نظير لها».
إنها حال سوريا اليوم، التي تضربها آفة تمتد إلى العراق وليبيا واليمن ونيجيريا، وأخشى أحياناً أن يحين دور أوروبا غداً وأميركا بعد غد.