أقر الرئيس الفلسطيني محمود عباس تحت سقف الأمم المتحدة، أخيراً، بأن الفلسطينيين لا يرون أنفسهم مضطرين بعد اليوم إلى الالتزام باتفاقيات السلام الموقعة مع اسرائيل قبل عقدين.
وكشفت خطوة عباس، المستفزة والغامضة في آن، مدى تقوض الدعم الجماهيري لرئيس السلطة الفلسطينية محلياً، وعمق الرغبة في ممارسة الضغط على الدولة العبرية دولياً، عبر التهديد غير المباشر بانطلاق انتفاضة فلسطينية جديدة.
اتهم عباس في خطابه أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة إسرائيل بانتهاك اتفاقات أوسلو الموقعة في التسعينيات، معتبراً أنها أفضت إلى هيمنة اسرائيل على المواطنين الفلسطينيين، وتركت حكومته في موقع العاجز.
وقال عباس في هذا السياق: «لم يترك لنا هذا الوضع خياراً إلا الإصرار على ألا نبقى الطرف الوحيد الملتزم بتطبيق تلك الاتفاقات، التي تخضع لانتهاكات اسرائيل المتكررة. لذا فإننا نعلن عدم تمكننا من الاستمرار بالالتزام بها».
ونفذ عباس تعهده الذي سبق الخطاب بتفجير ما أسماه «قنبلة» على منبر الأمم المتحدة، وتنبع هذه الخطوة بجانب منها من حاجة عباس للتعويض عن التراجع الخطير الذي شهده موقعه، وتزايد موجة الاضطرابات المناهضة للحكومة في الضفة الغربية، وفق رأي الفلسطيني خليل الشقاقي مدير المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسيحية، حيث قال: «إنه يشعر بأن شرعيته تتقلص، ويدرك أن عليه اتخاذ خطوات مهمة لاحتواء الموقف السائد في الشارع حول إخفاقه».
ويرى الشقاقي أن هناك عدة عوامل مشتركة وراء موجة المشاعر السلبية تجاه عباس، وتتلخص بعامل أولي أبرز يعكس التحرر من وهم ترجيح الدبلوماسية على الصراع المسلح مع اسرائيل، الذي فشل في التوصل لبناء الدولة الفلسطينية. كما يعكس مشاعر الغضب من السياسة الفلسطينية التي تحجمت بفعل الشقاق بين عباس وحماس في قطاع غزة.
وقال عباس أمام المحفل الدولي، أخيراً: «لابد لإسرائيل من أن تتحمل مسؤولياتها كقوة محتلة، لأنه لا يمكن للوضع الراهن أن يستمر». لا يتوقع المراقبون أن يوقف عباس التعاون اليومي بين الحكومتين، لكنهم يقرون بإمكانية أن يدفع الخطاب باتجاه آخر، ويخرب العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية.
وأشار غيرشون باسكين، الخبير الإسرائيلي في العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية إلى اعتقاده بأن الخطوة التي أقدم عليها عباس تشكل جزءاً من جهود المجتمع الدولي لممارسة الضغط على إسرائيل، وقال: «لم يتطرق عباس إلى أي أمر عملي، وبرأيي لن يحصل شيء جديد».
رحب المجتمع الدولي والشعب الفلسطيني بدايةً بعباس حين تسلم قيادة منظمة التحرير عام 2004، لكن فشل المفاوضات، وتوسع المستوطنات الإسرائيلية، وتشجيعه التنسيق الأمني مع إسرائيل، جعلت منه عرضة للانتقادات.
وقال الشقاقي إن ارتفاع مستوى التأييد لانتفاضة جديدة إلى 57 في المئة مقارنة بـ 49 في المئة في الأشهر القليلة الماضية «يشكل تبدلاً خطيراً في الموقف، ويعكس فقدان الثقة بالقيادة، والدبلوماسية، وزيادة الشكوك المتعلقة بالقيادة الفلسطينية، والتساؤل عن مدى جدواها».