لطالما اشتكى منتقدو السياسة الخارجية للرئيس الأميركي باراك أوباما من أن من الصعب تبين طبيعتها، فتصريحات الرئيس الأميركي لم ترق لهم، ومن ذلك ما قاله في إحدى المقابلات: «يمكنك تحقيق النصر في أي مكان، وجعل أشياء أفضل من أشياء أخرى، بدلاً من أن تكون أسوأ منها، وهذا تقييم واقعي لما يحدث في العالم».

وقد يوافق كثيرون على أن ذلك واقعي حقاً، إلا أن السؤال يبقى ما إذا كانت لدى الرئيس أوباما رؤية متماسكة وشاملة ثابتة بشأن الشؤون الدولية، وأوضح أوباما ذلك، أخيراً، في مقابلة مع «نيويورك تايمز» قائلاً: «لقد سألت عن عقيدة أوباما السياسية، فمذهبه هو: نحن سنخوض الحرب لكننا سنحتفظ بكل قدراتنا»، وجاء ذلك خلال حديثه عن إيران، وجاء ذكر كوبا أيضاً خلال المقابلة، إلا أن عقيدته بدت حذرة، بالنظر إلى ما هو متوقع من رئيس انتقد كثيراً لكونه أقرب إلى الأستاذ الجامعي منه إلى السياسي المتحمس.

مكانة أميركا

إلا أن الحذر مبني على الثقة بأن القوة العسكرية الأميركية قد تظل قوية جداً بشكل لا يمكن لأي دولة تخيل إمكانية شنها حرباً على الولايات المتحدة والفوز فيها، وأضاف أوباما: «لا نزال أقوياء بشكل كاف كي نتمكن من اختبار هذه الاقتراحات دون تعريض أنفسنا للخطر».

هذه العقيدة ليست سياسة واقعية جداً، إلا أن من الملاحظ أن حوار أوباما كان خالياً من الكلام عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبدلاً من تأطير السياسة الخارجية الأميركية على أنها تطبيق للقيم العالمية من جانب واحد، قال أوباما إنها تدور حول المضي قدما بمصالح أميركا الأساسية، وأوضح أن مصالحه في الشرق الأوسط هي أن «يعيش كل شخص في سلام، وأن حلفاءنا لا يتعرضون لأي هجوم، وألا تسقط على الأطفال قنابل، وألا وجود للنزوح في أي مكان». ويتناسب السلام والنظام والدبلوماسية مع رؤية أوباما لسياسة «لا للدراما»، كما أنها تتسق أيضاً مع العديد من الإجراءات التي اتخذتها إدارته. الولايات المتحدة على سبيل المثال أعربت عن قلقها من التدخل غير الديمقراطي مثل استيلاء الجيش على تايلاند، أخيراً.

إلا أن الاحتجاجات السرية والعلنية للمسؤولين بشأن انزعاجهم من الانحراف عن الاعراف القانونية يجب أن تقرأ بحذر، وهذا يبعث برسالة بأنه يجب الحفاظ على الاستقرار الداخلي للدول الحليفة، وأن العلاقة الوثيقة لتلك الدول مع الولايات المتحدة أهم من السياسات المحلية.

نظام العلاقات الأميركية

والأمر ذاته ينطبق على مصر، وعلى الرغم من محاولات البيت الأبيض ألا يطلق على الأحداث التي أطاحت بالرئيس المصري السابق محمد مرسي وصف «الانقلاب»، إلا أن الولايات المتحدة ترى في الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حليفاً في حربها ضد المتطرفين ورئيساً أكثر استقراراً. وتم أخيراً فقط رفع الحظر المفروض على تجميد الأسلحة التي يجب إرسالها للجيش المصري والمساعدات السنوية المقدرة بنحو 1.3 مليار دولار أميركي.

ويرتكز مذهب أوباما إلى حد كبير على فهم أوسع بأن مختلف الدول قد يكون لديها نظم قيمة خاصة بها وأهداف تاريخية تفخر بها، وبالنظر إلى أن والد أوباما كيني، وأنه نشأ شخصياً في إندونيسيا، فربما يكون بالفطرة الأقدر على إدراك هذه الفروق الثقافية أفضل من معظم مواطنيه. ومنتقدو أوباما ينتمون إلى كل من اليمين واليسار، فالليبراليون والمحافظون الجدد يرغبون في رؤية قدرات أكبر للسياسة الخارجية، واليساريون يشعرون بالأسى بشأن عدم رغبة رئيس ديمقراطي بأن يكون أكثر حزماً بشأن قضايا حقوق الإنسان، واللاحقون يتحسرون على «ضعف» أميركا.

وربما يكون الأمر صعباً، إلا أنه إذا كان الرئيس الأميركي جاداً بشأن الاشتباك مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، فإن أي كلمات حادة أو أي ايماءة ضيقة يجب أن تبقى مخبأة خلف الأبواب. ولا تخدم العداوة العلنية أياً من الدولتين وتجعل من الأصعب على أي منهما التراجع عن وقفها دون التعرض للإحراج.

مذهب أوباما

يختلف مذهب الرئيس الأميركي باراك أوباما عن مذهب الرئيس السابق جورج بوش المغامر، إلا أن ذلك ليس أكثر من مجرد إدراك معقول لتغير مكانة الولايات المتحدة في عالم متعدد الأقطاب على نحو متزايد. وكان أوباما على حق عندما قال عام 2009 إن أي «نظام عالمي يعلي من قيمة شعب معين على شعوب دول أخرى لا يمكنه الصمود»، وبالنظر إلى أن مذهب أوباما هو تتويج لهذا النهج، فإنه يستحق التصفيق الحذر.