المستبدون المستنيرون قلّة، إلا أن لي كوان يو، الأب المؤسس لسنغافورة، كان واحداً منهم، بلا شك. لقد كان كذلك في معظم حياته، ومات، أخيراً، عن عمر ناهز الواحد والتسعين عاماً، وهو لا يزال كذلك، بالنسبة للكثيرين على الأقل.
فهم كوان يو تكتيكات الشيوعية الصارمة، وتبنى مبدأ الشركات الخاصة في الستينيات، حين كانت دول العالم الثالث بغالبيتها تؤثر الملكية العامة. فكان النمو الذي شهدته سنغافورة في السبعينيات مصدر إلهام لدعاة الإصلاح في آسيا.
لقد تباهى كوان يو بقدرته على تدمير خصومه، وهو القائل: «يعلم الجميع أني أحتفظ في حقيبتي بفأس قاطعة، حادة. إذا تحديتني وأثرت غضبي، فإنني أسحب فأسي فنصل إلى طريق مسدود».
عام 1990، سلم لي كوان يو مقاليد الحكم مع احتفاظه بمقعد له في الحكومة. وعلى امتداد سنوات العقد الماضي، استفاد بعض السنغافوريين من انتشار الإنترنت لتوجيه الانتقادات للحزب الحاكم بشكل أكثر صراحةً، وانضم إلى صفوف المعارضين للنظام بعض الشخصيات المؤثرة.
سيظل لي كوان يو شخصيةً تفرض احترامها على معظم السنغافوريين، لإسهاماته التاريخية في البلاد، إلا أن موته سيطلق يدهم في المطالبة بالحرية السياسية. وإذا تمكنت سنغافورة من الانتقال، بشكل سلمي، إلى طور الحكم الذاتي الحقيقي، فلا بد من منح لي كوان يو ما يستحقه من تقدير لدوره في إرساء ذلك، عبر سياسة التحرر الاقتصادي والازدهار.
وليس من قبيل الصدفة أن لي كوان يو قد أوصى قبل وفاته بهدم منزله ومساواته بالأرض، فهو يرى أن ترميمه سيكلف بلاده كثيرا، وأن المنزل سيكون رمزا للماضي، بيينما التركيز هو للمستقبل.
وقد اهتم الكثير من المراقبين بهذه الوصية، ورأوا فيها إيماءة واضحة إلى أن لي كوان يو يؤكد ضمنا ضرورة إدخال تغييرات كثيرة على مسيرة سنغافورة المستقبلية.
توجه
خلافاً لمعظم قادة العالم الثالث، طبّق لي كوان يو مبدأ النظام الذي يعتمد تقدمه على المقدرة والعطاء الفردي، وقاد مجتمعاً يخلو من الفساد نسبياً. إلا أن حذره تحول، بعد ازدهار اقتصاد سنغافورة، واضمحلال انجذابها للشيوعية، إلى نوع من جنون الارتياب في بعض الأحيان. وعلى غرار العديد من الرجال الأقوياء في العالم، لم يثق لي كوان يو بشعبه في صنع القرار بنفسه.