«أقول لكم يا شعب إستونيا وشعوب دول البلطيق، إننا ملتزمون اليوم بمعاهدة التحالف... فالمادة الخامسة تقول بوضوح تام: الاعتداء على إحدى الدول الأعضاء يعني اعتداءً على الجميع، لذا إن كنتم تتساءلون مجدداً (من سيأتي للمساعدة)، فإنكم تعلمون الإجابة، إنه حلف (ناتو) بما في ذلك القوات المسلحة للولايات المتحدة الأميركية».

هكذا صرح الرئيس الأميركي باراك أوباما، أخيراً، من إستونيا، مكرراً إطلاق ضمانة حرب أميركية لأصغر جمهوريات البلطيق، في خطوة كان يمكن أن يعتبرها أسلافه من رؤساء الحرب الباردة السابقين جنوناً مطبقاً.

منذ العام 1945 حتى العام 1989، لم يجرؤ أي رئيس على الالتزام بخوض حرب في أوروبا الشرقية. فالخط الأحمر كان يصل إلى قلب ألمانيا وحسب، حيث ساد عرف يقول، أعبروا نهر الألب، تندلع الحرب.

لجأ رؤساء عهد الحرب الباردة إلى إصدار مقررات بشأن الأمم الأسيرة معربين عن اعتقاد الشعب الأميركي بحق شعوب ما وراء الستار الحديدي بالتحرر. إلا أن أياً من هؤلاء الرؤساء لم يؤمن بأن تحرير الشعوب تلك يستحق حرباً. لماذا تغير ذلك اليوم؟

عام 1994، وصف جورج كينان توسع حلف «ناتو» نحو التكتل السوفييتي القديم بـ«خطأ استراتيجي ذي عواقب ملحمية محتملة». إلا أن أميركا لم تضم دول معاهدة وارسو فقط إلى «ناتو»، بل عمل الرئيس الأميركي السابق جورج بوش على ضم جمهوريات البلطيق كذلك.

وها هي أوكرانيا اليوم قد تورطت بصراع عسكري وسياسي مع روسيا. وقد أرسلت الحكومة الجديدة للرئيس الأوكراني بترو يوروشنكو المدعوم من أميركا و«ناتو» قواتها إلى جنوب شرق البلاد لسحق الانفصاليين الموالين لروسيا. إلا أنها انهزمت. ودفع الأمر بكييف إلى السعي نحو اتفاقية لوقف النار وإحلال السلام.

من نافل القول إن الذين احتفلوا يوماً بالإطاحة بالنظام الموالي لروسيا في كييف يشعرون بالصدمة إزاء هزيمة كييف الواضحة. وقد علقت صحيفة «نيويورك تايمز» على ذلك بالقول: «لا تساور الأميركيين أية أوهام حيال إمكانية فوز أوكرانيا في الحرب مع روسيا».

هذا هو الواقع. لكن إن كانت قضية أوكرانيا خاسرة عسكرياً، فما هي فرص إستونيا في حربها مع موسكو؟ فإذا قررت روسيا ضم إستونيا، فستتمكن من ذلك في غضون 48 ساعة. وفي حال أقدم بوتين على مثل هذا التصرف المتسرع، ماذا سيفعل «ناتو»؟

هل تعلن 28 دولة داخلة في منظمة حلف شمال الأطلسي، «ناتو»، الحرب وتبدأ بإرسال جيوشها؟ هل تعلن الولايات المتحدة الحرب على روسيا وتنفذ ضربات جوية على القوات الروسية داخل إستونيا وخارجها؟

هل ترسل حاملات طائرات إلى بحر البلطيق؟

وللحد من أية أفكار أخرى حول ضمانات الحرب في إستونيا، يطالب بعض المسؤولين في واشنطن بوجود قواعد عسكرية دائمة وتمركز القوات الأميركية في دول البلطيق، بحيث يؤدي أي اعتداء روسي إلى وقوع ضحايا أميركيين وحرباً أكيدة مع روسيا.

ومن شأن هذا التهديد أن يردع روسيا للأبد. لكن ماذا لو لم يردع بوتين أو اعتبره أي قائد روسي قادم مجرد حيلة وعاقب إستونيا، ماذا ستفعل أميركا حينئذ؟

رؤساء ومصالح

لم يلجأ رؤساء أميركا السابقين بدءاً بترومان، وإيزنهاور، وكيندي، وجونسون إلى استعمال أي شكل من أشكال القوة للمساعدة في أزمات برلين والمجر وتشيكوسلوفاكيا. لماذا لم يتصرف أي من هؤلاء؟ لأن أحداً منهم لم يكن يعتقد بوجود مصالح للولايات المتحدة في شرق أوروبا تستحق خوض الحرب مع روسيا. للحقيقة، لم تكن هناك مصالح حقيقية حينها، كما هو واقع الحال اليوم.