بالنسبة للرئيس الأميركي باراك أوباما، يشكل ضم روسيا بحكم الأمر الواقع لجزيرة القرم، ناهيك عن خطر تعدي آخر على أراضي أوكرانيا أكبر تحد للسياسة الخارجية خلال رئاسته. وهو اختبار لمصداقيته ومصداقية بلاده، لما يبدو على نحو متزايد أنه العمل الأخير في الحرب الباردة، وهي المواجهة التي سيطرت على النصف الثاني من القرن العشرين.

أولا وقبل أي شيء آخر، يتعين على أوباما أن يعكس التصورات. ويثير أسلوبه الحذر والذهني في جوانب عديدة الإعجاب. وأحكامه سليمة، وعلى عكس سلفه المباشر فإنه يمعن في التفكير كثيرا قبل التصرف، وازنا المزايا والعيوب بأسلوب مهني. والتجسيد الأكبر لهذه الفضائل كانت غارة الكوماندوز عام 2011 للقضاء على زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن. وبشكل لا يدع مجالا للشك، هذا القائد العام للقوات المسلحة قادر على اتخاذ قرارات صعبة.

ويبقى الانطباع أنه في ظل أوباما، أميركا في تراجع على الصعيد العالمي. فقد انسحبت من العراق، وتسعى للخروج من أفغانستان بنهاية هذه السنة. كما تحدث مسؤولو البيت الأبيض بفخر تقريبا عن "القيادة من الخلف" خلال حملة حلف شمالي الأطلسي "ناتو" في ليبيا التي أطاحت بالرئيس الليبي السابق معمر القذافي في عام 2011، ، وأداء الإدارة حول سوريا كان مترددا.

الانطباع العام

لكن الانطباع بالتراجع تم التشديد عليه من خلال الخطط التي طرحها وزير الدفاع الأميركي تشاك هاغل أخيرا، بإجراء تخفيض كبير في ميزانية البنتاغون، بما في ذلك خفض القوات النظامية إلى أدنى مستوى قبل دخول أميركا الحرب العالمية الثانية. ولا شك في أنه ليس بوتين وحده في الكرملين، بل خصوم محتملون آخرون مثل الصين شعروا بالتأكيد بأن البيت الأبيض في ظل أوباما لن يقدم على رد فعل بنفس القوة كما غيره، وأن بإمكانهم أن يتصرفوا مع حصانة نسبية.

ومرور فترات من تخفيض النفقات في سبيل التركيز على مشكلات في الداخل ليست شيئا جديدا، بل جرت سابقا بعد الصراعين في كوريا وفيتنام، وفي نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي، وهذا الأخير كان من المفترض بحسب البعض أن يشير إلى "نهاية التاريخ" والانتصار الذي لا رجعة فيه للديمقراطية الليبرالية الغربية. لكن التاريخ لديه طريقة في رد الهجوم. في هذه المواجهة مع روسيا، تلك الدولة التي تعود إلى الحزم، فانه لا يمكن القيادة من الخلف من قبل أميركا.

وتدخل عسكري مباشر من قبل الغرب أمر غير وارد، كما يعلم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. لكن هناك وسائل أخرى للتأكد من أن روسيا ستدفع الثمن. وطرد روسيا من مجموعة الثماني، وهي المنظمة التي لم يكن يفترض أن يسمح لروسيا بالانضمام إليها على الإطلاق في المقام الأول، يجب أن تكون مجرد البداية. وينبغي فرض عقوبات قاسية ضد أفراد روس ومؤسسات روسية من قبل واشنطن وحلفائها. والأمر الأكثر إيلاما سيكون إجراءات تحد من وصول روسيا إلى النظام المالي العالمي، وهو ما يشير إليه الانخفاض الأخير في سعر صرف الروبل. والاهم من ذلك كله مع ذلك، ينبغي أن يتولى أوباما زمام القيادة، بقوة وقناعة، الأمر الذي كان غائبا أغلب الأحيان في الفترة الأخيرة.

 

خطة عمل

بالطبع، لروسيا مصالح شرعية وفريدة في أوكرانيا التي تقع على مفترق خط الصدع بين الشرق والغرب. لكن هذا لا يعني أن بإمكانها أن تضم أجزاء من البلاد بسهولة، كما تراه مناسباً. ويجب أن يعبر أوباما بصوت عال وبوضوح عن خطة عمل في حال موسكو لم تغير اتجاهها، وهو الأمر الذي من المحتمل أن لا يحصل.