يبدو أن الأميركيين يميلون إلى تصديق أنه بمجرد خروج قواتهم من أراضي دولة ما، فإن المساءلة الأخلاقية لهذه القوات تنتهي. إلا أن العواقب الوخيمة والإدانة تستمر لمدة طويلة بعد خروج آخر المقاتلين الأميركيين.
خذ العراق، على سبيل المثال، الذي خرجت منه القوات الأميركية في نهاية عام 2011 (لكن ليس قبل مناشدة الرئيس الأميركي باراك أوباما للحكومة العراقية للسماح ببقاء بعض القوات الأميركية هناك).
والعنف يشتعل في العراق الآن، وذلك لأن المعارضة السنية، التي ضاقت ذرعا بظلم وفساد الحكومة الشيعية التي ثبتت أميركا وجودها، والميالة لإيران، شنت مقاومة جديدة.
مسؤولية أميركية
وقد يظن أغلب الأميركيين أن العنف في العراق ليس مسؤوليتهم، فالقوات الأميركية رحلت منذ زمن من العراق، وبالتالي فقد يعتقدون أن أيديهم أصبحت نظيفة.
إلا أن الباحث في شؤون الشرق الأوسط بجامعة سان فرانسيسكو، ستيفن زونز، يقول إن : "تصاعد العنف المأساوي في العراق خلال الأشهر الأخيرة، بما في ذلك الاستيلاء المؤقت على أجزاء أساسية من مدينتين رئيسيتين في العراق من قبل قوات القاعدة يعتبر نتيجة مباشرة لقمع الحكومة العراقية للمعارضة السلمية التي انطلقت في بغداد، ونتيجة أيضا للغزو الأميركي للعراق واحتلاله عام 2003".
وتهيمن الأحزاب الشيعية على الحكومة العراقية المدعومة من قبل أميركا، التي تمارس التميز ضد السنة. وأدى مزيج من الاضطهاد الحكومي والمعارضة المسلحة في العراق إلى مقتل نحو 8 آلاف مدني العام الماضي وحده.
ولكن هل يمكن أن تكون الولايات المتحدة مسؤولة حقا عن هذه الأوضاع؟ ألم يكن العراق مكانا مروعا مليئا بالدمار والفساد قبل الغزو الأميركي عام 2003؟ مما لا شك فيه أن العراق حُكم من قبل رجل سيء هو الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، الذي اضطهد الأغلبية الشيعية، وفي الوقت ذاته أساء معاملة السنة.
وعلى الرغم من ذلك لم يعان العراق من العنف الطائفي قبل وصول القوات الأميركية. وفي هذا الصدد يقول ستيفن زونز، الباحث في شؤون الشرق الأوسط : "حتى الغزو والاحتلال الأميركي للعراق، حافظ الأخير على تاريخ طويل من العلمانية والمواطنة القوية بين أبناء شعبه العربي، وذلك على الرغم من التنوع الطائفي فيه".
الطائفية في العراق
ويوضح زونز أن: "الكثير من الانقسامات العراقية الحالية يمكن ردها إلى قرارين لسلطات الاحتلال الأميركية، أعقبا الغزو فورا، والقاضيين بإلغاء الجيش العراقي وتطهير البيروقراطية الحكومية، وكلاهما يمثلان مفهومي المواطنة والعلمانية، وهذا أوجد فراغا تم شغله فورا بالأحزاب الطائفية والميليشيات".
وبناء على ما سبق، يحاول صانعو السياسة الأميركية المتغطرسون مرة أخرى التدخل في دولة أجنبية معتقدين أنهم يستطيعون تغييرها وفقا لرؤيتهم، ومن الواضح أن ذلك يتم دون معرفة أي شيء عن السياق الثقافي والاجتماعي.
وقد تم اسقاط ما لا يقل عن 270 مليون قنبلة عنقودية ضمن حملة القصف التي شُنت على العراق، 80 مليونا منها لم تنفجر. وفي سياق متصل أفادت إحصائية من لاوس تم إنجازها عام 2009 أن ذخائر غير متفجرة، بما فيها القنابل العنقودية، أدت إلى مقتل وتشويه نحو 50 ألف مدني في لاوس منذ عام 1964، ونحو 20 ألفا آخرين منذ عام 1973، بعد انتهاء الحرب.
وخلال السنتين الماضيتين قدرت الخسائر السنوية بما يزيد عن المئة شخص سنويا، حيث تنتهي الحال بنحو 60% منهم إلى الوفاة، بينما قدر أن 40%، من الضحايا هم من الأطفال. وبالتالي فعلى الرغم من مرور 40 عاما على الحرب الأميركية العدوانية ضد المواطنين في منطقة جنوب شرق آسيا، إلا أن الذخيرة الأميركية لاتزال توقع قتلى.
تحول دراماتيكي
لم يفشل الغزو والاحتلال الأميركيان للعراق في جلب الديمقراطية له فقط، بل أيضا كل من القوات الأميركية والحكومات العراقية المتعاقبة المدعومة من أميركا في منح العراقيين الحد الأدنى من الشعور بالأمان، وهذا أدى إلى تحول الكثير من المدنيين إلى ميليشيات طائفية مسلحة، وذلك بهدف توفير الحماية اللازمة لهم ولعائلاتهم.