انطلقت الاحتفالات في البرلمان التونسي أخيراً، احتفاء بالجهود التي استحقها عن جدارة بعد إقراره دستوراً نموذجياً وتشكيله معلماً ديمقراطياً في مهد الربيع العربي.
وتجعل التوقعات الإقليمية القاتمة هذا الإنجاز أكثر روعة، حيث تنتشر الميليشيات في كل مكان في ليبيا المجاورة، وتدخل الحرب الأهلية الوحشية في سوريا سنتها الرابعة. أما مصر التي استوحت من انتفاضة تونس في أواخر 2010 للإطاحة بالرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، فإنها عادت إلى أجواء من الاضطراب. والنجاح النسبي لتونس يجري تجاهله في الغرب، لكنه يقدم بديلاً للسياسات العربية الملتهبة ينبغي احتضانه.
أثبتت السياسة الحرة أنها أصعب بكثير مما بدت عليه في 23 أكتوبر 2011، موعد إجراء الانتخابات في تونس في أعقاب الانتفاضة ضد الدكتاتور التونسي الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي وعائلته. وكان من المفترض أن تعمل الجمعية الدستورية والحكومة الانتقالية في البلاد لمدة عام فقط.
وقد شكل حزب حركة النهضة الإسلامي الفائز ائتلافاً مع مجموعات علمانية، لكن أياً من الطرفين لم يكن يعلم كيف يحكم. وفشلت الحكومة في إدراك خطر مجموعات متطرفة صغيرة لكن عنيفة، وأساءت الإدارة لاقتصاد البلاد. وانعدام الثقة وسوء الفهم كانا يحتدمان إلى درجة الغليان في أواخر يوليو عندما قتل زعيم في المعارضة، هو الثاني في غضون خمسة أشهر، على يد مسلحين مجهولين من خلية إرهابية متشددة. فقاطعت المعارضة الجمعية الدستورية، وتدفق الألوف من الناس إلى الشوارع احتجاجا على ذلك.
تمرير الدستور
لكن التونسيين شاهدوا أيضا الاضطرابات في مصر المجاورة، وهذه الخبرة دفعت بكلا الجانبين إلى المساومة وتقديم التنازلات. ومما ساعد على ذلك أن الجيش التونسي بقي تقليدياً خارج السياسة. وبعد مفاوضات صعبة طوال فصل الخريف المتوتر، وافقت حركة النهضة على التنحي لتشكيل حكومة تكنوقراط. واتضح أن الإسلاميين في بعض الأحيان يتخلون عن السلطة عن طيب خاطر. ولقد تم تمرير دستور ليبرالي بالإجماع تقريباً. وقال الرئيس التونسي منصف المرزوقي للجمعية الدستورية بعد توقيع الدستور: "هذا يوم استثنائي لتونس، حيث نحتفل بالنصر على الدكتاتورية، لقد فازت الحكومة والمعارضة . فازت تونس".
وعلى الأثر، ارتفعت سوق الأسهم، وهللت صناعة السياحة، لكن الاقتصاد يبقى هشاً. وحكومة تكنوقراط تبقى مسؤولة إلى حين إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في وقت لاحق من هذا العام، ويمكنها الآن أن تستخدم المساعدات الاقتصادية والانفتاح التجاري الذي وعدت به واشنطن وبروكسل.
ومقربون من الحكومة التونسية يقولون إنهم بحاجة إلى دعم الميزانية وضمانات قروض مصرفية. يقول لنا مسؤول أميركي رفيع: "الخيار مطروح على الطاولة، لكننا لم نعلن عن أي شيء بعد". وقد حان الوقت للقيام بذلك.