التوقعات الأكثر قتامة في مجمل تطورات الربيع العربي، قد تكون من نصيب سوريا، حيث قتل ما يربو على 130 ألف شخص خلال سنوات الحرب الثلاث، فيما يبدو السلام بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى، على الرغم من الاجتماع في جنيف أخيراً.
وفي بعض النواحي، ينبغي على المجتمع الدولي أن يتحمل بعض المسؤولية عن تحول مسار الأمور، وليس أقلها الأوضاع في ليبيا وسوريا.
وكانت قد أحاطت بجهود إنهاء العنف في سوريا دبلوماسية غير كفوءة على نحو أليم. ومع بعض الاستثناءات، كالجهود الشخصية للوسيط الدولي الأخضر الإبراهيمي، مضت الشخصيات الغربية الرئيسية بمزيج من الغطرسة والتمني في الضغط من أجل الاعتراف بالمجلس الوطني السوري.
ومن أجل أن تكلل مفاوضات السلام بالنجاح، فإن ذلك يتطلب مزيجاً من العوامل الحاسمة، في مقدمتها وجود حافز قوي للسعي إلى السلام. وتقليدياً، تكمن الأسباب الأخرى للتخلي عن العنف في فقدان الدعم المحلي، وتراجع المساعدات الخارجية أو غيابها، وارتفاع التكلفة بشكل لا يطاق، أو إدراك أن من تقف إلى جانبه يخسر.
ومحادثات السلام يحب أن تكون شاملة. وهذا أمر بديهي، فالصراعات لا تنتهي بالتحدث فقط مع أولئك الذي تؤيدهم. كذلك الأهداف تعتبر مهمة جداً، وتتمثل في الحد من العنف والتفاوض على عملية انتقال سياسي، عادة عن طريق تقاسم السلطة. وهناك وجهة نظر أحدث نسبياً تقول إنه من غير الممكن وجود تسوية طويلة الأمد مع إفلات مرتكبي جرائم الحرب من العقاب.
وأخيراً، ولأن مؤتمرات السلام هي مكان لتحكيم المنافسات التي تدفع بالعنف المسلح، فإنه من المهم، وبشكل حاسم، أن ندرك أن المؤتمرات الفاشلة يمكنها في الواقع أن تؤجج الصراع ، وتجعله أطول أمداً وأكثر استعصاء على المدى الطويل.
واقع مناقض
وبناء على هذه المعايير، ينبغي أن نتساءل لماذا يعقد مؤتمر جنيف 2 للسلام في سوريا على الإطلاق؟
وفيما يعد هدف توحيد بعض الجماعات المقاتلة هدفاً نبيلاً، إلا أن عملية استبعاد بعض الأطراف المهمة أمر واضح للعيان.
وروسيا، التي تُشكّل أحد المضيفين الثلاثة إلى جانب أميركا والأمم المتحدة، زادت من شحنات الأسلحة إلى نظام الرئيس السوري بشار الأسد بدلاً من الحد من تدفقها.
وفي المقابل، استفادت فصائل مختلفة من العتاد الحربي وعدم استعداد الدول المجاورة، بما في ذلك تركيا، لوقف تدفق الأسلحة والمقاتلين إلى ساحة المعركة.
والاعتراف الذي جاء متأخراً بأهمية الانقسام الطائفي في تشكيل الصراع أمر مرحب به كخطوة باتجاه الاعتراف بأن التنافس في المنطقة على درجة من التعقيد. وتُشكّل علاقة النخبة الراسخة مع السكان الأوسع نطاقاً أمراً حاسماً أيضاً. ويمكن تفسير إغراء نزعة التشدد في بعض الحالات بعدم المساواة والتهميش السياسي.
وإذا كان هناك من خطر نهائي فهو في تبني وجهة نظر ضيقة الأفق. والثورات فوضوية، وقضاياها تعيش في الغالب لفترات طويلة وتمضي قدماً بشكل متقطع. وقد فشلت معظم ثورات عام 1848 في أوروبا في غضون سنة، لكن الأفكار التي ظهرت حينها كانت أطول أمداً بكثير. وكما كتب ألكسيس دي توكفيل حينها في تلخيص المزاج العام: "ليس هناك ما هو أكثر روعة من فن التمتع بالحرية، لكن ليس هناك ما هو أصعب من تعلم استخدام الحرية".
أسباب معقدة
الواقع هو أن التوترات في الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الربيع العربي لا تكمن فقط في الطائفة والدين والعرق، وإنما في موقع آخر. فالمنافسات الجغرافية في ليببا بين الشرق والغرب، يتردد صداها في مصر في التوترات بين المركز والمناطق النائية، حيث لعب غياب التنمية الاقتصادية والتهميش السياسي دوره.