إذا كنت تتعرض لهجوم من قبل طرفي الطيف السياسي، فهذا لا يعني دوماً أنك ربما تقوم بالشيء الصحيح. ففي بعض الأحيان، يكون ذكاء المسار وأخلاقيته حزبياً بشكل قاطع. لكن أعتقد أن الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي شاهدناه أخيراً يتلقى انتقادات حادة من اليسار واليمين على خطابه بشأن إصلاح جهاز الاستخبارات، يواجه صعوبة في إيجاد توازن حول هذا الموضوع بالغ الأهمية.
وفي خطابه دافع أوباما عن البنية الأساسية لأنشطة المراقبة الأميركية، وقال إن وكالة الأمن القومي ليست مجرد جهاز مارق، وأنها تعمل وفقاً للقواعد، ويعمل في أرجائها رجال ونساء يتمتعون بالحس الوطني.
لكنه أوضح أيضاً في اعتراف مهم بأن أنشطة وكالة الأمن القومي والمخابرات الأميركية عموماً، بعد الحادي عشر من سبتمبر، تجاوزت ما يعتبر مقبولاً. فالحكومة الأميركية، مستفيدة من قدراتها التكنولوجية الفريدة من نوعها، عملت كل ما في وسعها للاستفادة من قدراتها تلك، ونادراً ما تساءلت ما إذا كان يفترض بها القيام بذلك. وقد اقترح الرئيس الأميركي أوباما بعض الضوابط الجديدة على كيفية تخزين البيانات ومتى يمكن الوصول إليها.
وقد أزعج الخطاب كلاً من الليبراليين والمحافظين المشككين بتجاوزات الحكومة، لكن رد الفعل الأكثر تفجعاً كان من قبل اليسار. فبدأت العديد من الأصوات تحاجج بأن ما كشفه العميل السابق في وكالة الأمن القومي إدوارد سنودن يظهر أن العمليات الاستخباراتية الأميركية تعيث فساداً في الأرض، وهي غير قانونية وغير دستورية، وأن سنودن يستحق أن يحصل على عفو، وأن يعامل كبطل.
والأساس الواقعي لكل تلك المطالبات ضعيف، ذلك أن قدراً كبيراً مما كشف عنه سنودن لا ينطوي على مراقبة في الداخل الأميركي، وإنما على عمليات استخباراتية في الخارج، وهو دور طبيعي لوكالات التجسس الأميركية. وهذا يظهر، على سبيل المثال، أن الحكومة الأميركية تتجسس على حركة طالبان في باكستان، وأن وكالة الأمن القومي تتجسس أيضاً على قادة أجانب، مثل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وكبار مساعدي رئيسة البرازيل ديلما روسيف.
قد يعتقد القارئ أن بعضاً من تلك الخيارات حكيم فيما غيرها على خطأ، لكن ليس هناك شيء جديد غير مسبوق في تجسس البلدان على قادة أجانب. وقد تنازل أوباما كثيراً عندما تعهد بعدم التجسس على مجموعة منهم. والحكومات الأجنبية بالتأكيد لن ترد الجميل، وتوقف ما يشكل جهداً تقوم به بلا هوادة في الغالب للتجسس على كبار المسؤولين الحكوميين والمديرين التنفيذيين للشركات في أميركا.
تسلل متواصل
وهناك فجوة كبيرة في فهم اليسار لعمل الاستخبارات الأميركية. فالولايات المتحدة، بما في ذلك حكومتها وأعمالها وناسها، هي تحت مراقبة مستمرة هائلة وتتعرض لعمليات تسلل من مجرمين وإرهابيين وحكومات أجنبية. ورئيس هيئة الأركان المشتركة أشار أخيراً إلى أنه منذ عام 2011 ازدادت الهجمات الإلكترونية على البنية التحتية الحيوية لأميركا، من كيماوية وكهربائية وأنظمة مياه ونقل، بمقدار 17 مرة.
والإدارة الوطنية للأمن النووي المسؤولة عن مفاعلات الطاقة النووية، أفادت في عام 2012 بأنها تواجه 10 ملايين هجمة إلكترونية كل يوم، ما يصل إلى 3.65 مليارات هجمة في السنة. وكل مصرف رئيسي وشركة رئيسية من «بنك أميركا» إلى مصرف «غولدمان ساكس» إلى صحيفة «نيويورك تايمز» يواجه تقريباً جهوداً متواصلة من الخارج لاختراق شبكاته، وتلغيم بياناته وتعطيل إجراءاته وسرقة أسراره. والتأثيرات يمكن أن تتفاوت من تعطيل المبادلات إلى إحداث ضرر في الأجهزة، ما يترك شعوراً أشبه بغزو عسكري.
وسيكون من المستحيل الدفاع ضد تلك الهجمات من دون السماح لوكالات الاستخبارات بالتجسس على الحكومات الأجنبية والمجموعات في الخارج.
لكن من الحيوي أيضاً أن يكون لوكالة الأمن القومي وغيرها بعض القدرة على الدخول إلى أنظمة الاتصالات السلكية واللاسلكية في الداخل في سبيل تعقب الهجمات الإلكترونية، ومعرفة من أين تأتي وإبطال مفعولها.
ويلاحظ المسؤول السابق في وزارة العدل جاك غولد سميث، أن صحيفة «نيويورك تايمز» تعترض على الهجمات الإلكترونية الأجنبية، ومع ذلك تريد من وكالة الأمن القومي أن تغلق برنامج مراقبتها في الداخل، ويكتب في «نيو ريببليك»: «في سبيل إبقاء أجهزة الكمبيوتر وشبكة الاتصالات لدينا آمنة، فإن الحكومة سوف تحتاج في نهاية المطاف إلى المراقبة وجمع المعلومات عن تلك الشبكات باستخدام تقنيات شبيهة بتلك التي تجدها «تايمز» وكثيرين غيرها ذميمة عندما يجري القيام بها لأغراض مكافحة الإرهاب».
نشاط
جميعنا يعيش، ويعمل ويلعب في عالم جديد مواز من الهويات والبيانات والمبادلات الخاصة بالكومبيوتر. لا يبدو أننا ندرك أن حرية النشاط الهائلة تلك في العالم الإلكتروني، كما في العالم الفعلي، يجب الدفاع عنها. تماماً كما تحتاج الشرطة إلى معلومات حول حياتنا ونشاطاتنا، فإن الحكومة ستحتاج معلومات بشأن العالم الإلكتروني. وكما أشار مدير وكالة الأمن القومي الجنرال كيث ألكسندر، فإنه لا توجد طريقة للدفاع عن تلك الأنظمة من دون الدخول إليها في المقام الأولى.
يقول أبو الدستور الأميركي جيمس ماديسون في تكوين الحكومة إن الصعوبة الأكبر تكمن في التالي: «ينبغي عليك أولاً تمكين الحكومة من السيطرة على المحكومين، وفي المقام التالي إلزامها بالسيطرة على نفسها». وهذا هو الميزان الذي ينبغي أن نصل إليه في الفضاء الإلكتروني .