بدأت اليابان، في عشرينات القرن الماضي، بترجمة قوتها الاقتصادية المتنامية إلى قوة عسكرية هائلة بعد مسار دورة مكثفة وسريعة من التدريب على الرأسمالية الغربية والتصنيع دام 50 عاما.

في البداية، لم يبد منافسوها المحتملون، باستثناء عدد قليل منهم، اهتمامه بالأمر. فأميركا والمستعمرون الأوروبيون المهانون لم يصدقوا فعلا أن بإمكان قوة آسيوية أن تجرؤ على تهديد مصالحهم الخاصة في المحيط الهادئ في يوم من الأيام.

واليابان كانت حليفا لبريطانيا وشريكا للديمقراطيات خلال الحرب العالمية الأولى. ومعظم مواهبها في الهندسة تم تدريبها في بريطانيا وفرنسا، والغرب أعلن أنها من القوى الاقتصادية العالمية "الخمس الكبار" التي تتقاسم المصالح المشتركة في السلام والرخاء والأمن العالمي. وإجراء إصلاحات برلمانية عرضية فيها أقنع كثيرون في الغرب بأن مستويات المعيشة المتزايدة لليابان سوف تضمن في النهاية الليبرالية الثقافية والسياسية.

تعاطف محدود

ولقد تعاطف الأميركيون مع مخاوف الصين الأمنية، لكن ليس بما فيه الكفاية للقيام بما هو اكثر من توبيخ الحكومات العسكرية اليابانية بخطب متعجرفة بشأن احترام قواعد اللعبة والقانون الدولي، والتهديد بفرض حظر يشل البلاد.

ولقد تجاهلت اليابان هذا النفاق والتظاهر بالتقوى، وقامت بدلا من ذلك بمخاطبة جيرانها في آسيا حول شرور الاستعمار الغربي والحاجة للتجمع تحت وصاية اليابان في سبيل إعادة تأكيد النفوذ الآسيوي في السياسة العالمية.

ولم تفعل عصبة الأمم أي شيء عندما بدأت اليابان باستعمار منشوريا في عام 1931. وبدا الغربيون متأثرين بالمستوى المذهل للتقدم الاقتصادي في اليابان وتنامي القوة المسلحة، أكثر من عزمهم على وقف العدوان الياباني.

وبحلول عام 1941، فإن قلة من الأميركيين كانت تدرك أن بحرية الإمبراطورية اليابانية قد أصبحت بسحر ساحر أكثر قوة تقريبا من أسطول المحيط الهادئ للولايات المتحدة من فئة سلاح البوارج وحاملات الطائرات والطرادات والمدمرات إلى الغواصات. وفكرة أن اليابان تنتظر اللحظة المناسبة، بينما الحرب تهز أوروبا، لاستغلال الضعف الأميركي كانت تبدو سخيفة بالنسبة لمعظم الأميركيين.

وإعادة تموضع الأسطول الأميركي في المحيط الهادئ من ميناء سان دييغو إلى ميناء بيرل هاربور المكشوف عام 1940 كان يفترض أن يشكل ردعا لليابان، لكن اليابانيين فسروا عملية استعراض العضلات تلك بأنها تبجح فارغ، إن لم يكن رمزا للتهور. وتلا ذلك الهجوم على بيرل هاربور.

وإذا قمنا بإحلال الصين الحالية بدلا من اليابان الإمبراطورية، فإن الشيء نفسه يحدث الآن في منطقة المحيط الهادئ. وتعتقد الصين أنه آن الأوان لجعل جيشها يعكس قوتها الاقتصادية الهائلة.

وبينما تزداد القوات المسلحة الصينية قوة، تتقلص القوات المسلحة الأميركية. والصين لا يروق لها زيارة أميركيين متبجحين، وآخرهم نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، ليلقون عليها المحاضرات بشأن حقوق الإنسان، خصوصا عندما تبدو القوة الأميركية العسكرية والاقتصادية في تراجع.

نظرة الصين

إذا كان اليابانيون في ثلاثينات القرن الماضي قد تحدثوا يوما عن الانحطاط الغربي والرعونة الأميركية، فإن ما يشعر به الصينيون الآن هو أن النفوذ العالمي الأميركي لا يستحقه الجيل الحالي من الأميركيين الذين يتمتعون بحياة مترفة قائمة على 17 تريليون دولار من الأموال المقترضة، التي يأتي الكثير منها من الصين.

والصين بالمثل تشعر بالنزعة الانعزالية الأميركية المتنامية، وتسمع حديث الصالونات حول تخفيض أميركا لترسانتها النووية، وترى السلوك الأميركي الجديد في النأي بنفسها عن الحلفاء.

وقد تحدث الأميركيون يوما ما عن العراق وإيران وأفغانستان وليبيا وسوريا بلغة الترهيب. لكن الصين قامت بضبط هذه الخطب الفارغة، وبدلا من ذلك لاحظت أننا تخلينا عن العراق بعد خطة زيادة القوات الناجحة، وأننا مستنفدون في أفغانستان، وجرى إذلالنا من قبل الرئيس السوري بشار الأسد في سوريا، وعلى ما يبدو تم الانتقام منا في بنغازي بعد الإطاحة بالرئيس الليبي السابق معمر القذافي في ليببا. والصين مطمئنة إلى أن أقوال أميركا لا تتطابق تماما مع أفعالها.

والأهم من ذلك، يبدي الصينيون كراهيتهم لليابانيين بالطريقة نفسها التي احتقر بها اليابانيون في الظاهر الصينيين في ثلاثينات القرن الماضي، وتبدو الصين حريصة على تلقين اليابان درسا كما فعلت اليابان في الماضي مع الصين.

وأميركا مجددا تبدو مرتبكة إزاء تلك التغيرات الجذرية في المحيط الهادئ، إلى أن يحاول أحدهم في المنطقة القيام بأمر غبي، مرة أخرى.

 

تغيير جذري

 

تمقت الصين غياب الندم الياباني، الذي لا يمكن إنكاره على أرواح ما يقرب من 15 مليون صيني قتلوا على يد العدوان الياباني في الحرب العالمية الثانية. ويشعر الصينيون أيضا أن اليابان قد تكون قوة منتهية، بانكماش وتقادم سكاني، ومشكلات في الطاقة، واقتصاد منكمش بطيء، ودون راعيها الأميركي .

والصين تقبل فكرة أن الأمم المتحدة لا طائل منها في حل التوترات العالمية، وتفضل الأمور على هذا النحو. ومع أخذ كل هذه الأمور معا، تبدو الصين واثقة في المستقبل، كما كانت اليابان في ثلاثينات القرن الماضي. وهي حريصة على تلقين اليابان درسا، كما فعلت اليابان في الماضي مع الصين.

وأميركا تبدو مرتبكة إزاء تلك التغيرات الجذرية في المحيط الهادئ.