قبل عشر سنوات، ترجل الرئيس الأميركي جورج بوش بكل ثقة من طائرة حربية هبطت على متن حاملة الطائرات "إبراهام لينكولن"، وسار نحو مكبر الصوت، وأعلن نهاية العمليات العسكرية الرئيسية في العراق، وكانت ترفرف وراءه الراية سيئة الصيت التي أعلنت أن "المهمة أنجزت".
الخسائر الكبيرة
كتب الكثير عن الفشل الذريع للحرب العراقية. الخسارة كانت كبيرة، فما يوازي حياة 4500 أميركي، ومبلغ 2.2 تريليون دولار أميركي يمثل 13% من الدين الوطني، أهدر، فيما لم يجن إلا الشيء القليل. فقد تمت مبادلة طاغية بآخر، والبلاد على شفا الحرب الأهلية حالياً. وفي شهر أبريل الماضي وحده، أسفر القتال المهلك على مستوى البلاد عن مصرع 712 شخصاً، وهو الرقم الأكبر في شهر واحد منذ عام 2008، بحسب تقارير الأمم المتحدة.
وبكل المقاييس يتدهور العراق الآن نحو الهاوية، والداعمون الأساسيون في ذلك، حسبما تظهر دول شرق أوسطية أخرى بوضوح، سيكونون على الأرجح المتشددين الإسلاميين. والدولة في الأصل لديها مرشحها الموسوم الذي ينتظر فرصته: تنظيم القاعدة في العراق، وتلام هذه المجموعة على تدمير وزارة العدل بأربعة تفجيرات في مارس الماضي، ويقال إن الانضمام إلى صفوف فرع القاعدة هناك يشهد نمواً سريعاً.
ويرغب كتاب كثر في إلقاء اللوم فيما يخص مشكلات العراق على المحتلين البريطانيين منذ قرن من الزمن. فبريطانيا عند مغادرتها المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى رسمت حدود العراق وسوريا وغيرها من الدول، في إغفال للانقسامات العرقية المستشرية في كل من تلك الدول الحديثة.
وبعد ذلك، أبقى دكتاتوريون في كل من هذه الدول الغطاء على الكراهية التي تعتمل بين السنة والشيعة والمسيحيين والأكراد. لكن ما أن أطاحت انتفاضة أو حرب بالزعماء الدكتاتوريين، حتى اصبح الوضع في حالة غليان.
مسؤولية المالكي
وعلى الرغم من صحة هذا الأمر، إلا أن اللوم يقع على رئيس الوزراء الشيعي نوري المالكي حالياً، فهو يميز بشكل منهجي ضد السنة، ويقوم باعتقالهم وقتلهم بشكل جماعي. وأخيرا، هاجمت قواته الأمنية مخيماً للمحتجين السنة في بلدة الحويجة، مما أسفر عن مقتل 20 شخصاً على الأقل وجرح الكثيرين، ومجازر غير مبررة كتلك هي التي تعمل على مفاقمة الحرب الأهلية.
ويمكن قول الكثير عن أي حكومة من كيفية معاملتها لوسائل الإعلام. ففي أواخر الشهر الماضي، قامت حكومة المالكي بفسخ تراخيص تشغيل 10 محطات فضائية كانت تغطي أعمال العنف والاضطراب كما يفترض بها على مستوى البلاد، ولقد اتهمتها الحكومة "بالتشجيع على العنف من خلال التغطية المضللة والمبالغ بها".
وأكثر التطورات المثيرة في العراق ،عامي 2003 و2004، تمثلت في مراقبة الصحف والمجلات الجديدة التي كانت تظهر على أكشاك الجرائد كل يوم تقريباً، ووصول مصورين من محطات تلفزيونية جديدة للمناسبات المهمة، وكانت صحافة حرة جديدة تزدهر عبر البلاد.
لكن لم يعد الأمر كذلك الآن، وأعداد الصحافيين الذين اغتيلوا يشكل الأمر الأكثر تعبيراً عن ذلك. فمنذ عام 2003، أفادت لجنة حماية الصحافيين أن عدد الصحافيين الذين قتلوا في العراق كان أكثر من عددهم في الصراعات الدائرة في أفغانستان وسوريا وفيتنام. وأضافت اللجنة ان 92 صحافياً في العراق على الأقل، أو ما يوازي اثنين من كل ثلاثة صحافيين قتلوا في العراق، لم يسقطوا نتيجة ضربات جوية، أو اطلاق نار عند نقاط التفتيش، أو تفجيرات انتحارية، أو نيران قناصة، أو عبوات ناسفة ، بل قتلوا باغتيالات مستهدفة في انتقام مباشر بسبب التقارير التي كتبوها. وكثيرون تم استهدافهم بسبب التحاقهم بمؤسسات أخبار أميركية وغربية.
وتصدر لجنة حماية الصحافيين ما تدعوه "مؤشر الإفلات من العقاب"، وقد كتبت تقول إنه في العراق: "حتى اليوم، فيما البلاد تتجاوز "الحرب"، فإن السلطات لم تظهر أي اهتمام في التحقيق في تلك الجرائم"، ومعدل الإفلات من العقاب في العراق يبلغ "100%" ويعد "الأسوأ في العالم".
الحل المنطقي
يعلم رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي جيداً أنه من أجل العمل على إنجاح الوضع في العراق، عليه أن يكون رئيس وزراء للجميع، وأن يمنح معاملة عادلة لكل الأطراف، وكان هذا واضحاً لكل من كان يصغي في العالم لما يجري، لكن المالكي رفض، وطرد أخيراً وزير ماليته الذي يتمتع بسمعة حسنة على نطاق واسع، لمجرد أنه سني. ولهذا السبب ولأسباب أخرى كثيرة، يستحق المالكي أن يطرد من منصبه. فهل المالكي مجرد دكتاتور جديد؟ بمقياس مهم واحد على الأقل، فإنه يعد الأسوأ في العالم.
ويمكن قول الكثير عن أي حكومة من كيفية معاملتها لوسائل الإعلام الإخبارية. وزعيم وطني واثق من خدمة شعبه على افضل ما يكون لديه القليل لكي يخشاه من وسائل الإعلام، والانتقاد في بعض الأحيان يعد جزءاً مصاحباً لتولي المناصب، والمالكي بالتأكيد ليست لديه مثل هذه الثقة.
