التهديد الأخير لكوريا الشمالية بإمطار الولايات المتحدة بالصواريخ، مع وجود خرائط تبين مسارات التحليق عبر المحيط الهادي، وقيام الزعيم الكوري الشمالي كيم يونغ أون بالتوقيع على الأوامر خلال اجتماع منعقد منتصف الليل، يطرح بشكل أكثر تحديدا السؤال الذي طرحته تباعا تهديدات الشهر الأخير، التي كانت تزداد حدة باضطراد. هل تتصف هذه التهديدات بالجدية؟ وهل تعني كوريا الشمالية ما تقوله؟ هل يمكن أن تحصل معركة حاسمة في كوريا فعلا؟
والجواب على هذا السؤال هو لا. وكان أحد مطلقي النكات في وزارة الدفاع في كوريا الجنوبية قد سخر من الأمر قائلا "الكلاب التي تنبح لا تعض". وتفضل كوريا الشمالية الهجمات المباغتة، مثل الطوربيد الذي أغرق السفينة الحربية "تشيونان" لكوريا الجنوبية في مارس 2010، وأسفر عن مقتل 46 شخصا، من دون إعطاء إشعار مسبق بوجود كمين.
ويمكن في الواقع حذف بعض التهديدات المحددة التي تطلقها بيونغ يانغ. فلا يوجد دليل على أن أيا من صواريخها بإمكانه أن يقطع أكثر من 4 آلاف ميل، أو أنها أتقنت عملية تركيب رأس حربي نووي عليها. وحتى لو تمكنت كوريا الشمالية من القيام بذلك، وهي لم تفعل بعد، فإن مثل هذا الهجوم بالصواريخ سيجري اعتراضه. وبإمكان كاليفورنيا ونيويورك وواشنطن أن تنام ملء الجفون.
لدغات مؤذية
لكن لا ينصح بالرضا عن النفس. والتهويل على أعتاب كوريا الجنوبية قد اصبح له 60 عاما الآن، وبات لا يثير القلق لديها. لكن ما حصل في عام 2010 شكل لدغة مؤذية، بل لدغتين في الواقع ،لأن كوريا الشمالية قصفت أيضا جزيرة جنوبية في فترة لاحقة من تلك السنة. وقد يكون هناك المزيد من اللسعات.
ولا ينسى المسنون الجنوبيون الحرب الكورية المروعة للأعوام 1950-1953، عندما غزت كوريا الشمالية ،عن طريق البر أساساً ،كوريا الجنوبية، الأمر الذي أسفر عن وفاة مليوني شخص حتى في تلك الأيام عندما كانت التكنولوجيا متدنية المستوى. وإذا كانت الولايات المتحدة غير مهددة، فإن هذا لا ينطبق بأي حال من الأحوال على كوريا الجنوبية أو اليابان. فكلاهما على مرمى مئات الصواريخ ذات المدى القصير والمتوسط لكوريا الشمالية. وعاصمة كوريا الجنوبية ،سيؤول، بما في ذلك المدن التابعة لها، يقطنها 20 مليون نسمة، وتقع فقط على بعد 25 ميلا جنوب الحدود، المنطقة التي تدعى للمفارقة المنطقة المنزوعة السلاح.
وإلى شمال المنطقة المنزوعة السلاح هناك الألوف من قطع المدفعية الثقيلة التابعة للجيش الشعبي الكوري، وبعضها يحمل قذائف كيماوية، وهذه قد تسبب مذبحة في ناطحات السحاب المتلألئة لكوريا الجنوبية.
والخطر الرئيسي هو من شقين يرتبط أحدهما بالآخر. ودائرة الاستفزاز ورد الفعل قد تخرج عن نطاق السيطرة. والتهديد الأخير لكوريا الشمالية كان الدافع وراءه إرسال قاذفات شبحية أميركية في دورات تدريب فوق شبه الجزيرة الكورية في رد على الخطاب الحاد لبيونغيانغ. وأميركا لا يمكنها أن لا تستجيب بأي شكل من الأشكال، لكن هكذا يشتد التصعيد.
والخطر الآخر هو سوء التقدير. وشيء ما قد ينفجر عن طريق الصدفة، واي من الطرفين قد يسيء تفسير تحرك الآخر. وفي تلك الحالة، يكون خطر التصعيد حقيقيا جدا.
اللغز المحير
والسياسات والسياقات التي تجري فيها الأحداث لها أهميتها أيضا. وكان رئيس كوريا الجنوبية المتصلب ،لي ميونغ باك، قد تعرض لانتقادات جارحة في الداخل لأنه لم يرد على عملية إغراق السفينة وعمليات القصف في عام 2010. وخليفته، رئيسة كوريا الجنوبية بارك جيون هاي لم يكن قد مضى لها شهر في منصبها، عندما سعت إلى سياسة "الواقعية السياسية" مع الشمال، التي تعد شراستها الحالية أمرا يثير الحيرة. فلماذا لم يعط كيم يونع أون فرصة للسلام؟
وإذا قامت كوريا الشمالية بلدغ كوريا الجنوبية مجددا، كما حصل في عام 2010، فإنها لن تكون محظوظة في المرة الثالثة، فبعض الأشداء في الجيش الجنوبي، الذين أداروا البلاد لفترة طويلة، متلهفون لإعطاء الشمال بعضا من الإثارة. بارك قد تكون راغبة في السلام، لكن إذا استفزها الشمال مجددا، فإنها سوف تبدو ضعيفة بشكل لا يطاق، إذا لم تخول بتوجيه نوع من الضربة المضادة.
والمشكلة طبعا ستكون في الحفاظ على هذا الأمر ضمن الحدود. وقبل 20 عاما تقريبا، جرى احتساب هذه المخاطر. في عام 1994، درس الرئيس الأميركي بيل كلينتون جديا توجيه ضربة إلى موقع يونغبيون النووي لكوريا الشمالية. ولقد قدر رؤساء الأركان أن حربا جديدة في كوريا سوف تقتل على الأقل مليون شخص، بما في ذلك ما يصل إلى 100 الف أميركي. والتكاليف المباشرة على أميركا ستكون في حدود 100 مليار دولار، فيما تعطيل الأعمال في المنطقة سوف يكلف أكثر من تريليون دولار، وتلك الأرقام ستتضاعف الآن.
والرئيس كلينتون هو من حذر كوريا الشمالية خلال زيارة إلى المنطقة المنزوعة السلاح من أن السير في هذا الطريق سيكون "نهاية لبلادهم"، وهذا الأمر لا زال ينطبق حتى الآن. ونأمل أن لا تكون للشاب القليل الخبرة في بيونغ يانغ أوهام بهذا الخصوص، وكوريا الجنوبية سوف تسود، حتى ولو على حساب تكلفة رهيبة. فماذا يمكن القيام به؟ يقظة شديدة من قبل الحلفاء، الذين يجب أن يسعوا إلى عدم التصعيد، ويحاولوا إجراء اتصالات سرية لمعرفة ما تريده كوريا الشمالية فعلا، وهو لغز بالفعل. وهناك شكوك في أن تكون السياسات الداخلية وراء الجانب الأكبر من هذا التصعيد.
مخاطر الرد
من الأفكار التي طرحت للرد على تهديدات كوريا الشمالية توجيه ضربة لتماثيل الزعيم الراحل كيم إيل سونغ وكيم يونغ إيل، أو ضريحهما. والرمزية في ذلك ستكون مفحمة، لكن هذا قد يدفع كوريا الشمالية للرد على الضربة.
والأمر الأكثر خطورة هو ما أفادت به مصادر جنوبية في وسائل الإعلام المحلية بأن صواريخ كوريا الجنوبية من طراز كروز يمكنها أن تحلق عبر بيونغيانغ وأن تستهدف أيا كان، وهذا قد يثير توتر الزعيم الكوري المشالي كيم يونغ أون، وسيكون أمرا شديد الخطورة.