أوجدت الدراما السينمائية المصرية جمهورا حاشدا يتوق إلى بطل وإلى نهاية سعيدة، غير أن الحكاية التي تدور أحداثها في القاهرة اليوم ليست فيلما من أفلام هوليوود، فمصر في غمار مواجهة مع الحداثة ستواصل تحديد اتجاه البلاد بغض النظر عن الممثلين الأفراد والأعمال الدرامية السياسية الجزئية. وقد كانت هذه الأزمة هي السبب الرئيسي لثورة 25 يناير 2011 ضد الرئيس المصري السابق حسني مبارك. وليست أحداث العامين الماضيين إلا أعراضا للوضعية الراهنة للأمور في مصر.
إن ما نشهده هو التقاط الأنفاس الأخيرة للعصر الناصري، فالرؤية الأيديولوجية لجمال عبد الناصر الذي قاد ثورة 1952 التي أطاحت بالملكية المصرية قد حددت معالم العقود الستة الماضية من الحياة السياسية المصرية. والقومية العربية والعداء الصارخ للنزعة الاستعمارية وتأميم اقتصاد البلاد وبروز العسكريين، كل ذلك كان الأساس الذي شيدت عليه مصر الحديثة. وبينما كانت الناصرية ناجحة في مساعدة مصر على البروز من ماضيها السياسي، إلا أنها كانت في تراجع بطيء منذ وقت طويل وهي الآن على حافة الانهيار.
استمرار الملامح الأساسية
وقد انتزع انهيار نظام مبارك قبل عامين سكان مصر من سباتهم العميق الذي دام عقودا، ولكن اليوم فإن العديد من ملامح مصر عبد الناصر بما في ذلك البنى الأساسية للمجتمع والاقتصاد والدولة لا تزال قائمة ، وهي تشكل الآلة المتصدعة لنظام حمائي يكافح لإبعاد قوى الحداثة والعولمة لكي يحافظ على مصالح نخبة محدودة.
وتعد مؤسسة أمن الدولة في مصر المثال البارز على الثورة التي لم تنته بعد هناك. وقد برهنت احتجاجات 25 يناير على أنها اللحظة التي لم تعد فيها الدولة بكل شبكاتها من المرشدين وضباط الشرطة وحشودها من البلطجية قادرة على التقدم برد على التقنية الحديثة والإعلام الرقمي وأجهزة الاتصالات النقالة. وبينما يظل وصف الانتفاضة بأنها "ثورة الفيسبوك" وصفا مضللا، فإن المحتجين يدركون كيف أن مزاياهم التقنية قد مكنتهم من المناورة حيال جهاز أمني وحشي مرتبك. غير أنه بعد عامين من اندلاع الثورة ، لا تزال وزارة الداخلية بعيدة عن الإصلاح ولا تزال آثار سنوات من الوحشية حيال المجتمع المصري يتعين علاجها ويواجه فرض القانون المدني مستقبلا غير محدد الملامح.
لقد كشفت جماعة الإخوان المسلمين نفسها بسرعة على نحو يدعو للإحباط والاكتئاب باعتبارها تمثل استمرارا لهذا النظام المحطم، وقد أظهر الرئيس المصري د محمد مرسي نفسه باعتباره تواقا للإبقاء على قبضة دكتاتورية على العملية السياسية حيث أصدر من طرف واحد إعلانا دستوريا منح فيه نفسه سلطات واسعة وعجل بإصدار دستور جديد دونما مقدمات ، وفي ترداد رهيب لأصداء النظام القديم، تحاول جماعة الإخوان المسلمين الآن توظيف بلطجيتها لمواجهة المحتجين بشكل عنيف، على نحو ما حدث في صدامات ديسمبر الماضي خارج قصر الاتحادية.
ترتيب البيت
وعلى الرغم من محاولة ترتيب البيت من الداخل التي قام بها مرسي في تعامله مع قيادة المؤسسة العسكرية في أغسطس الماضي، فإن جوانب عدة من دستور البلاد الجديد المثير للجدل تترك استقلال المؤسسة العسكرية المصرية عن الرقابة المدنية دونما مساس، حيث إن فقرات مهمة في الدستور أبقت ميزانية الدفاع بعيدة عن رقابة البرلمان وأيدت رسميا تقديم المدنيين للقضاء العسكري. ومن الصعب تصور الكيفية التي يمكن بها للبلاد أن تنتقل بشكل أصيل إلى مرحلة جديدة بينما تواصل المؤسسة العسكرية الهيمنة على موقع القيادة في البلاد.
ويتيح انهيار النظام التعليمي المصري نافذة للإطلال على الانهيار البطيء الذي شهدته المؤسسات المصرية وقد كان لفشل النظام التعليمي المصري تأثير سياسي كبير ، حيث إن قادة مصر من خلال مدارسهم قدموا ما يشبه المصانع التي تفرز خريجين يفتقرون إلى القدرة على التساؤل والبحث لكي يتم الدفع بهم إلى أتون المؤسسة العسكرية والأجهزة البيروقراطية المدنية. وقد تم الضغط على الأطياف المثقفة، وأجبرت على الصمت من جانب نظام متشكك يتخيل أنه يستمع لهمسات الانشقاق عند كل منعطف.
لقد أظهرت الثمانية عشر يوما، التي أسقطت الرئيس المصري السابق حسني مبارك، أن مصر قادرة على تحقيق ما يتجاوز الخيال، واليوم ستكون الحاجة ماسة إلى المزيد من الأمانة والشجاعة وعملية البحث في قرار الضمير المصري التي حركت الخيال العام خلال تلك الأيام، وذلك من أجل وضع نهاية للنظام القديم والمحتضر في القاهرة.
مفهوم خاطئ
على الرغم من الخلافات الكبيرة، التي لا موضع لإنكار وجودها بين القوى السياسية المتباينة في القاهرة، فإن هذه القوى جميعها تتمسك بالمفهوم الخاطئ القائل إن التحديات الرئيسية التي تواجهها مصر هي تحديات قابلة للعلاج بصورة نسبية، وأنها مشكلات سطحية في جوهرها، وليست قضايا جذرية مرتبطة بالبنى المحطمة للدولة والمجتمع المصريين.
قبل عامين من الآن، أطلقت التظاهرات ضد البنية القائمة شرارة احتجاجات من كل ركن من أركان مصر، من المدارس إلى المستشفيات إلى أماكن العمل، بل وإلى البيوت والعائلات. وهذه الضغوط ستواصل تمثيل تهديد وجودي للنخب السياسية المصرية.