يجلس الرئيس الاشتراكي الفرنسي فرنسوا هولاند في قمرة القيادة في أحدث تحرك عسكري في العالم، ونحن غير معتادين رؤية الفرنسيين وهم يديرون المعارك، لكن هذا الأمر آخذ في الازدياد. ويدعم حوالي 63% من الفرنسيين قرار هولاند القيام بعمل عسكري في مالي، بحسب استطلاعات الرأي التي أجراها المعهد الفرنسي للرأي العام. لماذا إذن هذا التحول المفاجئ لدى الفرنسيين نحو توجيه الضربات للغير؟
التأطير المناسب
في ظل ولاية للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي المنتمي إلى يمين الوسط، قادت فرنسا العالم للتدخل في ليبيا. في ذلك الوقت، أظهرت استطلاعات الرأي الفرنسية أن الدعم الأقوى للتدخل العسكري منذ البداية جاء من جانب الناخبين ذوي الميول اليسارية، لأن التدخل جرى تأطيره جيدا في البلاد وفي الخارج على أنه عمل إنساني.
لكن هل كان هناك جانب اقتصادي في الحملة الليبية؟ بالطبع. ففي وثيقة تم تسريبها إلى الصحيفة الفرنسية "ليبراسيون"، تعهد المجلس الوطني الانتقالي في ليبيا بنسبة 35% من النفط الليبي إلى فرنسا (بزيادة عن نسبة 17% قبل الحملة) في مقابل الدعم الفرنسي الكامل. ولقد قفزت الشركات الفرنسية إلى واجهة الخط في عقود إعادة البناء العائدة للقطاع الخاص والعقود الأمنية في ليبيا.
هل كانت مثل تلك المكاسب تستحق السعي وراءها في غياب الزخم الإنساني القوي الذي تردد صداه جيدا بين الفرنسيين؟ ربما لا، وعلى الأرجح ما كانت فرنسا لتشارك، أو ربما كانت بدأت في استخدام الطائرات الموجهة عن بعد من أجل القصف بدلا من الاكتفاء بالمراقبة، كما تفعل إدارة أوباما عندما ترغب في إجراء عمليات عسكرية من دون القلق حول حساسية الأكياس المحملة بالجثث التي ترافق وجود الجنود على الأرض.
لكن إحدى سلبيات تجنب الترسانة الحربية التقليدية للطائرات والقصف والجنود، وتفضيل إسقاط القنابل بواسطة عصا التحكم من وراء مكتب مريح، يتمثل في الابتعاد عن الرؤية بالعين المجردة، لكن هذا الأمر يقلص من احتمال أن تكون نظرة الناس إيجابية لصالحك عندما يحين وقت تقاسم الغنائم.
ومالي كانت أمراً سهلاً بالنسبة لفرنسا، أخذا في الاعتبار مباركة الرئيس المالي ديونكوندا تراوري، ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ودول غرب إفريقيا الأخرى. ولقد أطر هولاند الموضوع بأنه جهد إنساني يهدف إلى دحر "العناصر الإرهابية" المعروفة بـ "وحشيتها وتحجرها" ومن أجل "أمن الشعب المالي، والوافدين إلى مالي من فرنسا والبالغ عددهم 6 آلاف فرنسي".
وزاد من الفوضى في مالي أولئك الطوارق من "المرتزقة" الذين سافروا للقتال إلى جانب الرئيس الليبي السابق معمر القذافي في لبيبا، وبرهنوا على أنهم على استعداد لمشاركة أي من كان، إذا كان الأمر يخدم رغباتهم. وبعد أن شنوا حربا ضد القوات المالية واختاروا المتشددين، يقدمون الآن عرضا لمساعدة الفرنسيين في محاربة "المجموعات الإرهابية الأخرى" دفاعاً عن مالي.
محاولة جيدة
والتدخل العسكري الفرنسي في مالي ليس مجرد ضربة ضد الإرهاب. ففرنسا أيضا تناور للحصول على موقع لها في الفرص المستقبلية. وهولاند لم يتحدث عن المنافع الاقتصادية لتدخل عسكري ناجح، لكنه لا يحتاج للقيام بذلك. وكما في حالة لبيبا، فإن الطابع الإنساني الذي يتراءى للرأي العام يبدو طاغياً بما يكفي. وهنا يمكن أن يتعلم أوباما درسا يتعلق بجهود إدارته في مناطق مثل سوريا، حيث يبدو أنه يكافح لإيجاد موقع قدم.
هل يرسل هولاند الاستخبارات الفرنسية إلى المناطق الشمالية لمالي للتدريب والتمويل وتعزيز قوة الثوار الإرهابيين المرتبطين بالقاعدة في محاربة الظالمين؟ هل يختبئ وراء السكان المحليين محاولاً إقناع قادة الدول المجاورة بأن فرنسا ليست موجودة في المنطقة؟ هل يحاول تغذية لهيب الكفاح لقضية إنسانية لكسب التعاطف الدولي لقضيته؟
الجواب على كل هذه الأسئلة هو بوضوح "لا". فالدعم الذي كسبه هولاند هو برهان على أن المرء مع وضع الاستراتيجيات والتأطير والتخطيط المناسبين، فإنه لا يحتاج فعلا للكذب أو المناورة للذهاب إلى الحرب.
فرصة كبيرة
ليس لدى هولاند فقط دعم بلاده الساحق من أجل الحرب، لكن هذا الدعم هو الأقوى بين الناخبين ذوي الميول اليسارية وذلك بنسبة 77%، بالمقارنة مع دعم نسبته 62 % من اليمين.
والقصة الأكثر إثارة يمكن إيجادها على موقع وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية حيث يفيد بأن: "صادرات مالي إلى فرنسا (المركزة على الذهب والقطن والماشية) لا تتعدى معدل 10 ملايين يورو في السنة على مدى السنوات الخمس الماضية، ولقد تراجعت في عام 2010 إلى 5.8 ملايين يورو. وفرنسا اليوم لم تعد المستثمر الأجنبي رقم واحد في مالي، نتيجة للاستثمارات الأكبر من جنوب إفريقيا (في مجال التعدين والأعمال الزراعية) والمغرب (في مجال البنوك وشركات الاتصالات)، وليبيا (في مجال الفنادق والمشاريع الزراعية). ويبدو أن هناك فرصة كبيرة لفرنسا في أن تتقدم أهميتها في تلك اللائحة.