تبدو إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما مصممة على إخلاء أفغانستان بأسرع ما يمكن. وإذا صدقت التسريبات الأخيرة، فإن المسؤولين الأميركيين على استعداد لترك عدد محدود من الجنود وراءهم، ما يقرب من 6 آلاف جندي بعد عام 2014، متمركزين في القاعدة الجوية في "باغرام" ومنشآت قليلة أخرى حول كابول. ويجفل العقل مما قد يعنيه ذلك بالمصطلحات العسكرية.

ولنأخذ حقيقة واحدة بسيطة في الاعتبار، وهي مدينة قندهار التي تقع على بعد 500 كم جنوب غربي كابول, ولنتخيل أن محللي الاستخبارات تعرفوا "على هدف مهم جدا"، لنقل على سبيل المثال شخصاً يسهل عمل الإرهابيين بروابط مع تنظيم القاعدة وحركة طالبان في قندهار. فكيف سيتمكن الجيش الأميركي من إلقاء القبض عليه أو قتله من دون قاعدة آمنة في قندهار؟

هذا السيناريو خيالي، لأن غياب الوجود الأميركي على الأرض حول قندهار يصعب من جمع المعلومات الاستخبارية المفيدة. وحتى بافتراض إمكانية جمع هذه المعلومات، فإنه سيكون صعبا جدا التحرك بناء عليها.

صعوبات كثيرة

وفي العادة، يصل فريق من القوات الخاصة تابع للبحرية الأميركية أو لفرقة قوة دلتا إلى هدفه بواسطة طائرة هليكوبتر. لكن قندهار تقع على بعد ساعتين من كابول بالهليكوبتر، ومروحية من طراز "بلاك هوك" محملة بالكامل تحتاج إلى إعادة التزود بالوقود في سبيل القيام برحلة العودة أيضا. وبافتراض عدم وجود قاعدة أميركية في قندهار، فإن هذا سيستلزم إعادة التزود بالوقود في الجو، وهذا الأمر صعب ومكلف، ولن يكون متوفرا بالضرورة على مدار الساعة. وأخذا في الاعتبار الفترة التي يستغرقها التحليق للوصول إلى قندهار، فإن هناك احتمالا كبيرا أن يكون الهدف قد انتقل إلى موقع آخر عند وصول القوات الخاصة.

ومن المشكوك فيه أن مثل هذه القوة سيجري إرسالها في المقام الأول، لأن القادة العسكريين سيترددون في إرسال قوات من العمليات الخاصة إلى مواقع عالية الخطورة من دون وجود قوات رد سريع في حالة تأهب استعداداً لإنقاذهم.

والقادة الأميركيون لن يرتاحوا لفكرة وضع حياة العاملين في قوات النخبة في يد قوات الجيش الأفغاني، لا سيما على ضوء المشكلة المتعلقة بوجود متسللين من طالبان في صفوف تلك القوات، بالتالي هناك احتمال أن لا يأمر قادة الجيش الأميركي بهذه المهام في المقام الأول.

مخاطر الضربات الجوية

وهذا سيترك وسيلة واحدة لا يوجد غيرها للتعامل مع هذا الوضع، وتتمثل بمهاجمة العنصر الإرهابي المهم في قندهار من الجو، إما بواسطة طائرة "بريديتور" أو طائرة مأهولة كطائرة "أف-16". لكن القدرة على الحفاظ على هذين النوعين من الأسلحة الجوية فوق قندهار ستكون محدودة كثيرا، نظرا للحاجة إلى التحليق على مسافة 1000 كم ذهابا وإيابا من باغرام لبلوغ المحطة. بالتالي، قد يكون هناك فارق زمني كبير لإسقاط قنبلة، مما يزيد من مخاطر عدم إصابة الهدف.

والاعتماد على القوة الجوية يحمل في طياته مخاطر أخرى، مثل احتمال الأضرار الجانبية التي قد تزيد عدد الأعداء لأميركا. والهجمات الجوية على حفلات الزفاف وغيرها كانت شائعة خصوصا في أفغانستان قبل زيادة أعداد القوات الأميركية بدءا من عام 2009، ومن دون وحدات تحكم أمامية جوية لاستدعاء الضربات الجوية، فان احتمال الخطأ يزداد.

ومشكلة أخرى تتعلق بالقوة الجوية تكمن في أنها تحول دون إمكانية استجواب المشتبه بهم وفحص حواسيبهم وأوراقهم. وقيادة العمليات الخاصة المشتركة، المؤلفة من العاملين في القوات الخاصة من النخبة، أصبحت آلة صيد بشري فعالة جدا تحديدا لأنها أصبحت تتقن جيدا "استغلال المواقع الحساسة" واستجواب المعتقلين. وهذا سيصبح مستحيلا في ظل الانسحاب المخطط له.

وقوات الأمن الأفغانية ستعمل من تلقاء نفسها في وجه التمرد الراسخ في المنطقة، الذي يبقى تهديداً رئيسيا في جنوب شرق أفغانستان بدرجة لا يستهان بها، بفضل الملاجئ الموجودة في باكستان.

ومن الصعب تخيل كيف أن أحداً في إدارة أوباما يمكنه أن يستخلص أن مجرد قوة من ستة آلاف عنصر ستكون كافية بعد عام 2014، فيما 68 ألف جندي أميركي الآن لم يتمكنوا من منع حركة طالبان وشبكة حقاني من العمل علنا على مسافة تبعد ساعة من كابول. ومثل هذا الانسحاب المتهور يزيد بشكل كبير من خطر تفوق طالبان.