حاولت جماعة الإخوان المسلمين في مصر ومؤيدوها تأطير الأزمة الأخيرة بعبارات دينية، فأوجدت انطباعا بأن المعارضة التي انطلقت ضد دستورها المصاغ على عجل هي عبارة عن مشاكسة من جانب ليبرالية مناهضة للإسلاميين. ولطالما كرر المحللون في وسائل الإعلام هذا الموضوع، حيث يقف في جهة الرئيس المصري د. محمد مرسي ،الذي تدفع به جماعة الإخوان المسلمين والذي يحظى بمباركة مفترضة من السكان المتدينين. وفي الجهة المقابلة، تقف المعارضة "العلمانية" التي كانت تثير ضجيجاً حول أدنى التفاصيل الواردة في الدستور الذي لا يعتبر سيئا إلى هذا الحد. وهذا التحليل دفع الخبير في الشؤون المصرية الدكتور، إتش إيه هلير، من مؤسسة بروكينغز إلى الطلب من وسائل الإعلام الغربية "التوقف عن القيام بذلك".
نقاط الخلاف
لكن نتيجة الاستفتاء على الدستور كشفت عن بعض النقاط الفعلية المسببة للخلاف. فالاستفتاء جاء على مرحلتين لأن قلة من القضاة المصريين وافقوا على الإشراف عليه، وجماعة الإخوان المسلمين، مع كل قدرتها الكبيرة على الحشد، لم تتمكن من الحصول على أكثر من نسبة 63.8% من الأصوات المؤيدة لدستورها. ولم يمض وقت طويل عندما كان بإمكان الإخوان الاعتماد على دعم الناخبين بنسبة تصل إلى أكثر من 70%. ولقد توجه للاقتراع أقل من ثلث الناخبين، على الرغم من أن هذا قد يكون نتيجة للطوابير الطويلة ولصعوبة التصويت.
لكن إذا كان المصريون، كما تشير النتائج، يفقدون ثقتهم بجماعة الإخوان، فإن هذا لا يعود لكونها منظمة إسلامية، بل لأنها ،حتى الآن، ما زالت رديئة في إدارة الحكم. وكثيرون يعتقدون بانها وفت بوعودها للسلطة، لكنها لم تف بوعودها للشعب. وفي الأساس، فإن السياسة الاقتصادية للرئيس مرسي عمقت السياسة الليبرالية الجديدة التي جلبت الكثير من المآسي خلال حقبة الرئيس المصري السابق حسني مبارك، وكانت عاملاً مهماً في الانتفاضة ضده.
الطابع الاقتصادي
وهذا الطابع الاقتصادي كان موجوداً في مجمل سياسات مرسي، في المرحلة التي سبقت الدستور، كذلك، كجزء من الدستور، الذي أنجز في سباق ماراثوني دام ليوم واحد، من قبل جمعية تأسيسية يهيمن عليها الإسلاميون، بعد خروج الأعضاء المنتمين إلى الطائفة المسيحية والليبراليين والنساء.
في أوائل ديسمبر، أعلن مرسي وقف الدعم للوقود، مع ما يعنيه ذلك من ارتفاع في فواتير أسطوانات الغاز والكهرباء للمنازل. وفي هذه الأثناء، فإن قرض صندوق النقد الدولي الذي يجري التفاوض بشأنه، وتبلغ قيمته 4.8 مليارات دولار، مشروط بما وصف بأكبر موجة من اقتطاعات التقشف منذ عام 1977، عندما ألغي الدعم على الأغذية الأساسية في ضربة واحدة، مما أثار "انتفاضة الخبز". والخطة الآن تتمثل في تقليص الإنفاق الحكومي والدعم وزيادة الضريبة على السلع الأساسية، إلى جانب تخفيض قيمة الجنيه المصري. وهذه الحزمة تأخرت بسبب الاضطرابات الأخيرة. لكن لماذا يفترض بالمصريين ابتلاع هذه الصفقة على طريقة "عقيدة الصدمة"، فيما كانت إحدى المبادئ الأساسية للثورة الدعوة إلى العدالة الاجتماعية؟
ويكشف الدستور المزيد عن الاقتصادات المحافظة لجماعة الإخوان المسلمين، حيث يتضمن بنداً يربط الأجور بالإنتاجية. وهو ينص على أن الإضرابات "السلمية" فقط (أيا كان يعني ذلك) مسموح بها. وتبقى المصالح العسكرية دون مساس وغير مرئية بالنسبة للرقابة العامة، وذلك في بلاد يقدر أن الجيش يمثل فيها ما بين 10% إلى 45% من الاقتصاد الوطني (ولا أحد يدري فعلا لأن الأمر شديد السرية)، وهذا يشكل أيضا مزيداً من الأدلة على أن مرسي لا يحاول "حماية الثورة" كما يقول، بل يريد حماية مصالح نخبة مترسخة على حساب الآخرين. وكان تقرير لبلومبرغ هذه السنة قد وصف شريحة الأغنياء المسيطرين ضمن هذه الجماعة الإسلامية بـ"الاخوان الـ 1%".
فلا عجب إذن أن تعلن مدينة المحلة الكبرى حيث تكثر المصانع نفسها دولة مستقلة، احتجاجا على قوانين مرسي المناهضة للنقابات. منذ وصوله إلى السلطة كانت هناك موجة من الإضرابات، ليس فقط اضراب المصانع وإنما أيضا إضرابات للعاملين في قطاع الصحة واحتجاجات للمستهلكين على تآكل الخدمات العامة.
وكانت النقابات العمالية المستقلة التي تنمو بسرعة في مصر تعبئ ضد الدستور على المستوى الوطني، مستخدمة قضايا العدالة الاجتماعية. وتأتي كل هذه المخاوف على رأس المحاولات التي يدفع بها الدستور لإلغاء الحريات الشخصية، لاسيما للنساء والأقليات، وإعطاء رجال الدين القول الفصل حول الأحكام القانونية، وكل هذا عبر مسار لا يأبه بالتعددية وبناء الإجماع وتوافق الآراء الحيوي. وكل هذا أطلق مثل هذه الاحتجاجات الواسعة النطاق على امتداد مصر، وليس أي عداء للإسلاميين في السلطة.
فقدان الشعبية
لكن فيما سياسة مرسي الاقتصادية تجعله فاقدا للشعبية في الشوارع، فإن هذا بالتحديد هو ما يجعله مقبولا للغرب، أي اقتصاد لخدمة مصالح السلطة مقرون بسياسة خارجية لا تسبب متاعب غير مرحب بها، لا سيما مع إسرائيل.
وكانت استطلاعات الرأي ما بعد الثورة قد كشفت عن أن المصريين معنيون أكثر بالعمل والسكن والصحة والأمن والخدمات العامة منهم بسياسات الهوية الخاصة بالإخوان المسلمين في مقابل الليبراليين التي يجري تمثيلها إيمائيا.
ونتائج الاستفتاء أظهرت أن المعارضة، وهي تزداد تركيزا وتنظيما، قد تكون قادرة على تحويل الاهتمام الشعبي بهذه القضايا إلى تعبئة سياسية حقيقية، مما يكسبها زخما في الانتخابات البرلمانية المقررة في بداية 2013.
وعندما يحصل هذا، فإن جماعة الإخوان المسلمين، في ظل هذا التجاهل للشعب المصري، قد تجد أن مصداقيتها التي كسبتها خلال هذه السنوات الصعبة القمعية في صفوف المعارضة يمكن أن تتبدد بسهولة.