يستعد الغرب، مرة أخرى، لتصعيد التدخل العسكري في العالم العربي والإسلامي. وهذه المرة الهدف هو سوريا. ولقد تضاعفت التحذيرات منذ الانتخابات الرئاسية في أميركا. أولا، من خلال تكرار مثير للكذبة التي مهدت الطريق لغزو العراق، بزعم قادة أميركا وبريطانيا أن النظام السوري قد يكون على وشك استخدام الأسلحة الكيماوية ضد قوات الثوار، وتهديدهم له بعواقب وخيمة.
الاستعداد للتدخل
ثم أجازت أميركا نصب بطاريات صواريخ باتريوت على طول الحدود التركية السورية. وهذه الصواريخ التي يزعم في الظاهر أنها لحماية تركيا من نيران القذائف السورية الضالة، يمكن عوضا عن ذلك، استخدامها بشكل معقول للمساعدة في فرض منطقة حظر طيران على الطريقة الليبية.
وكانت هناك موجة من التقارير الإعلامية منذ ذلك الوقت تتحدث عن إمدادات سرية متزايدة للثوار بالأسلحة الأميركية وعمليات تدريب، إلى جانب مخططات تتعلق باستخبارات مكثفة ونشر لقوات خاصة، بل دعم قوة شاملة بحرية وجوية. وأفيد أن المسؤولين الأميركيين والبريطانيين يصرون على أن التدخل المباشر "اصبح الآن حتمياً".
ولقد تبعت بريطانيا فرنسا في الاعتراف بالائتلاف الوطني السوري للمعارضة الجديد، بوصفه "الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري"، وبما أن الائتلاف من الواضح أنه ليس الممثل الوحيد للسوريين، فان الإعلان يفرض سابقة من المحتمل أن تعود لتطارد الغرب.
ولقد تلاها تصريح اقل شمولا بقليل من قبل أميركا وحوالي 100 حليف لها.
وما قد يعنيه هذا الدعم على الأرض يظهر في فيديوهات الرعب الأخير من واقع الحياة المتداولة بين السوريين.
ومن بين عشرات الألوف من الذين قتلوا منذ اندلاع الانتفاضة السنة الماضية التي تحولت إلى ثورة مسلحة، فان الأغلبية من الناس قتلوا بالتأكيد من قبل قوات النظام. لكن هناك أيضا بلا شك الفظاعات المرتكبة على نطاق واسع من قبل الطرفين.
ولقد انتشرت كالفطر، فيما نمت الجماعات المتشددة من حيث الأهمية، وانتشر التطهير العرقي على الطريقة العراقية.
وتفشي التعذيب والإعدامات الفورية من قبل المعارضة وقوات النظام أدانتهما منظمات حقوق الإنسان كما أدانت التجنيد واسع النطاق للأطفال من قبل الثوار.
التدخل الغربي
ويمكن تصور أن هذا سيمنح سبباً للحكومات الغربية للتوقف والتفكير قبل تعزيز دعمها للثوار، لكن في الواقع هذا بالتحديد سبب إصرارها على الحاجة لتصعيد تدخلها.
وأخيرا، قال رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون أمام البرلمان إن التحرك بات الآن "ضرورة استراتيجية" لأن الحرب السورية التي كان ُيعمل على إشعالها "تعزز قوة المتطرفين المرتبطين بالقاعدة". وهناك "فرصة" حسب قوله لبريطانيا وأميركا وغيرهما لتشكيل المعارضة السورية.
وكان كل من أميركا وبريطانيا يعمل على تمويل وتدريب وتوجيه الأسلحة لفصائله المفضلة منذ بعض الوقت. وأخيرا، قامت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما بتسمية جماعة سورية رئيسية متشددة بالمنظمة الإرهابية على الرغم من غضب المعارضة السورية.
والهدف من ذلك هو التدخل من أجل النفوذ قبل السقوط المتوقع لنظام الأسد وبعده، بإلباسه لغة "حماية المدنيين"، كما حدث في ليبيا.
وهذا جزء من الحرب على الإرهاب التي يجري تجديدها. وفي أعقاب كارثتي الحرب على العراق وأفغانستان، لم يعد هناك انزال لجنود على الأرض، بالتالي سيأخذ التدخل مجددا شكل حملات جوية "إنسانية"، وضربات لطائرات موجهة عن بعد وعودة لحروب الوكالة والحروب السرية السابقة.
لكن كما أظهرت حملة "ناتو" في ليببا، التي ساهمت في زيادة أعداد القتلى بعامل لا يقل عن 10، ومنحت تغطية جوية لعمليات تطهير عرقي وقتل دون تمييز، فإن حروب "حماية المدنيين" لا تفعل شيئا من هذا القبيل. وتعميق التدخل الغربي في سوريا سوف يفاقم عمليات القتل بالتأكيد، ولن ينهيها، كما سيأخذ مستقبل سوريا بعيدا عن أيدي شعبها.
وما بدأ في سوريا منذ سنتين كانتفاضة شعبية قمعت بوحشية من قبل نظام الأسد تحول على نحو متزايد ليأخذ طبيعة صراع طائفي وحرب إقليمية بالوكالة، وهذا شكل فرصة للغرب يريد اغتنامها.
لكن التوقعات بأن الحكومة هي على وشك أن تسقط لا زال بالتأكيد سابقا لأوانه. ومع عدم وجود أي من الطرفين قويا بما يكفي ليفرض هيمنته، فإن الاحتمال هو أن تستمر البلاد في النزف، فيما يعمق التدخل الخارجي الصراع. وحتى لو انهار النظام أو تراجع إلى حصونه المنيعة، فإن الحرب الأهلية ستستمر على الأرجح.
ولهذا السبب، فإن الطريقة الوحيدة للخروج من هذا الصراع الذي يزداد قتامة هو بتسوية يجري التفاوض عليها مع دعم إقليمي ودولي.
الطريقة الوحيدة
الطريقة الوحيدة للخروج من الصراع الذي يزداد قتامة في سوريا تتمثل بتسوية يجري التفاوض عليها مع دعم إقليمي ودولي. وأخيرا، أقر نائب الرئيس السوري، فاروق الشرع (المطروح كرئيس انتقالي محتمل) بأنه لا الجيش السوري ولا المعارضة يمكنهما الفوز بالحرب، ودعا إلى "تسوية تاريخية" وحكومة وحدة وطنية.
وكانت القوى الغربية قد وافقت حتى الآن على ممانعة المعارضة للتفاوض، لكن المفاوضات يجب أن تجري بشكل أو بآخر ،في نهاية المطاف.
وفي غضون ذلك، فإن تدخل القوى الغربية لن يزيد أعداد القتلى فحسب، بل قد لا يعطي أيضا هذه القوى السيطرة التي تطمح بها. والمقاتلون الثوار الإسلاميون اصبحوا أكثر تشكيكا بداعميهم الأجانب، والأرجح أيضا أن هذا التدخل سيشكل الأرضية لنوع من رد فعل سلبي كالذي أوجد تنظيم القاعدة في أفغانستان في المقام الأول، ويهدد المنطقة بصراع أكثر تدميرا.