لا تشكل نهاية سيطرة النظام السوري على العاصمة دمشق نهاية للقصة التي تمتد فصولها في سوريا. فقد نرى تراجعاً فوضوياً للقوات الموالية إلى خارج العاصمة نحو المرتفعات الشامية والسهول الساحلية، أو قد تتحول الحرب الأهلية إلى معركة بين الأشقاء بتحريض الفصائل المتشددة المناوئة للأسد ضد الثوار المعتدلين، أو الأكراد ضد السنة، أو الميليشيات بعضها ضد بعضها الآخر.
تسارع الأحداث
الآن الأخبار السارة تفيد أنه رغما عن هذه الاحتمالات المزعجة، فإننا نشهد بداية النهاية لعائلة الأسد، التي شكلت الجمهورية الأخيرة في الشرق الأوسط، والأحداث تمضي أسرع من سياساتنا، كما هو الحال في معظم الأحيان.
في نهاية نوفمبر الماضي، قدرت تقارير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أن الرئيس السوري بشار الأسد بقي أمامه ما بين 8 إلى 10 أسابيع ليغادر السلطة. ومع انصراف انتباهنا إلى غزة، غاب عنا التحول في المد على الأرض. فقد بدأ الثوار السوريون من مختلف مشاربهم في الاستيلاء على القواعد العسكرية على أساس يومي. ولقد استولوا على أسلحة ثقيلة، مثل المدفعية والدبابات، وحصلوا على أسلحة متطورة مضادة للطائرات قاموا باستخدامها على الفور لإسقاط الطائرات النفاثة والمروحيات.
وفيما كان النظام يخسر القواعد الجوية، كان يجري تقويض الميزة الأساسية للحكومة، أي القوة الجوية، ليس هذا فحسب، وإنما أيضاً تحركت دوامة من الأحداث الفعالة: غنائم الحرب المأخوذة من قاعدة عسكرية سهلت الاستيلاء على القاعدة التالية. وما يعنيه كل هذا هو أن الثوار السوريين لن يكتفوا بعد الآن بإزعاج مراكز التفتيش أو اعتراض سبل القوافل، بل اصبحوا بأقل تقدير، قوة محاربة قوية على نحو متزايد، مع بعض التفرعات الشبيهة بالجيش النظامي.
دمشق عرضة للهجمات
ثم بعد أشهر من القتال غير الحاسم حول دمشق، أصبحت العاصمة السورية عرضة لهجمات مكثفة. وأصبح المطار غير قابل للاستخدام. وغادر الدبلوماسيون الأوروبيون والتابعون للأمم المتحدة البلاد، والنظام ضاعف من عزلته بإغلاق الإنترنت. واستناداً إلى صحيفة "نيويورك تايمز" ، فإن المبعوثين السوفييت إلى الأسد "وصفوه بأنه رجل خسر كل أمل في النصر أو الهرب". وهذ المشاعر لم تراوده وحده، فقد انشقت أخيراً الشخصية المسيحية الأهم في النظام، وهو الناطق باسم وزارة الخارجية جهاد مقدسي. وفي أثناء ذلك، زار مساعد وزير الخارجية كوبا وفنزويلا والأكوادور، بافتراض البحث عن فرص للجوء.
وفي خضم هذه التطورات، كافحت الولايات المتحدة في سبيل الرد. وبعد خروجها من شللها الانتخابي الموسمي، ناضلت للوصول إلى المدى الذي يجب أن تذهب إليه في دعمها للمعارضة، ناهيك عن التدخل عسكريا. ولقد أصيبت بالهلع السنة الماضية عندما أدركت ضبابية الرؤية حيال الانقسام بين مجموعات الثوار المعتدلين والمتطرفين على الأرض. وبريطانيا وفرنسا تدرسان مسألة إمداد الثوار بالسلاح، على أساس أن المخاطر تتجاوز أهمية دعم الثوار المعتدلين. وتركيا تشعر بإحباط عميق، بعد فشلها في ضمان منطقة حظر طيران. وعندما ينتهي الجميع من اتخاذ قراره، فإن الأمر برمته ربما يكون قد انتهى.
نهاية المرحلة
والتقدم العسكري غير المسبوق للثوار يعني أنه يجب أن نبدأ في التفكير بنهاية المرحلة، وتجنب وهم السيطرة والتحكم. فلدينا تأثير محدود على الاتجاه الذي تسير فيه سوريا، لكن هناك خطوات مفيدة يمكننا أن نتخذها. على الرغم من أن الأسد سيكسب قليلاً من استخدام الأسلحة الكيميائية، إلا أن الأنظمة البائسة تتخذ خيارات غريبة.
لكن الخطر الأكبر هو أن يجري الاستيلاء على الأسلحة الكيميائية من قبل مجموعات متطرفة، وما لم يكن بإمكاننا التأكد من أن وحدات الجيش السوري التي تحرس الأسلحة الكيميائية ستحافظ على السيطرة المطلقة، قد يصبح ضرورياً ضمان إزالة أو تدمير بعض من المخزونات المكدسة على الأقل.
وهذا سيتطلب قوة إقليمية بقيادة أميركية، وبمساعدة من ثوار سوريين موثوق بهم، إلى جانب بريطانيا ودول أخرى. وإذا كان تدمير سريع أو إزالة تامة غير ممكنين، يجب حماية المواقع من قبل قوات عربية. وبصمات غربية واسعة النطاق تعد أمراً خطيراً بشكل غير مقبول، ويجب استبعادها تماماً.
الاستعداد للنهاية
ينبغي أن نعيد التأكيد على أن عرض الخروج الآمن للأسد، بغض النظر عن بعد احتماله، سيكون أفضل بكثير من موقف أخير يترك دمشق في حالة من الدمار. يجب أيضاً أن نفكر بوسائل لحماية الأقليات في سوريا مما قد يكون انتقاماً مرعباً. وما يدعو للأسف أن هذا لا يمكن أن يجري إلا من خلال منع تفكك أو حل القوات السورية، كما حصل في العراق عام 2003. ويجب أيضاً أن لا نكون متخوفين من التحدث إلى روسيا وغيرها حول هذه الأوضاع الطارئة.
خلال الأشهر المقبلة، هناك احتمالات كبيرة بأن يصاب بشار الأسد بطلقة في الظهر، والاحتمال الأكبر أن يحدث هذا على يد من يقف إلى جانبه. وعندما يحدث هذا الأمر، فلا ينبغي أن يقول أحد إننا لم نكن مستعدين للأمر.