يمثل تحذير الرئيس الأميركي باراك أوباما للرئيس السوري بشار الأسد بعدم استخدام الأسلحة الكيميائية، في الحرب الأهلية الجارية في البلاد، إشارة أخرى إلى أن الوقت قد حان لتدخل المجتمع الدولي في هذه الأزمة التي تزداد تفاقما.

وبغض النظر عن مسار التحرك التالي لكل من أميركا وحلف شمالي الأطلسي "ناتو"، فإن تسليح مجموعات الثوار المنقسمة على ذاتها لا ينبغي النظر فيه. وفيما تعمل المعارضة المؤلفة من الجيش السوري الحر والمجلس الوطني السوري على بلورة سياساتهما، يجب أن تقيم أميركا و"ناتو" وأن تفرضا منطقة حظر طيران بهدف تأمين الدعم للمدنيين على الأرض.

تأمين الحماية

والتهديد بالأسلحة الكيميائية يفاقم الوضع ويزيده سوءا، ويعزز الموقف الداعي إلى فرض منطقة حظر طيران. وكان نظام الأسد بشكل روتيني قد أظهر استعداده لتوريط المدنيين في الصراع، بالتالي، من المهم أن تتبني القوى الغربية موقفا إنسانيا ملائما للرد على ذلك. ومنطقة حظر طيران ستؤمن الحماية للمدنيين السوريين من طائرات النظام ووابل نيران مدفعيته، وتساعد في إزالة تهديد الأسلحة الكيميائية واستخدامها بهجوم جوي ضد السكان.

وتقديم الأسلحة إلى الجيش السوري الحر غير المنظم، والمجلس الوطني السوري المهمش سيكون عملا كارثيا. وعلى الرغم من أن مخازن الأسلحة قد تكون قليلة جدا، إلا أن الانقسامات بين المقاتلين الثوار كبيرة جدا إلى درجة لا تسمح بتسليحهم. والتاريخ يظهر لنا أن القيام بذلك يمكن أن يبرهن على انه كارثي في مرحلة ما بعد الأسد في سوريا.

ومؤيدو الجيش السوري الحر والمجلس الوطني السوري يطلبون من الولايات المتحدة وحلفائها في "ناتو" تأمين أسلحة لإسقاط نظام الأسد. ويقولون إن هناك حاجة لصواريخ أرض- جو لإسقاط الطائرات من طرازي "ميغ" و"إل-39"، إلى جانب مدفعية من أجل صد هجمات الجنود المتقدمين وطوابير الدبابات.

فجوات واسعة

وما لم يذكره هؤلاء هو الفجوات الواسعة في التواصل بين الجيش السوري الحر على الأرض والمجلس الوطني السوري الذي قضى سنوات في المنفى، والذي كان يعد فاشلا من قبل وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون منذ فترة قصيرة.

وهناك انقسامات أيضا داخل مجموعات الثوار المختلفة. والوضع في شمال سوريا ومدينة حلب يظهر أن الصراع الحالي بين الجيش السوري الحر والأكراد السوريين، بدعم من الانفصاليين الأكراد في العراق (حزب العمال الكردستاني) يتصاعد. وجرى تشكيل مراكز تفتيش مجهزة بعناصر وأسلحة ثقيلة لفصل الجيش السوري الحر عن الأحياء التي يسيطر عليها الأكراد داخل حلب. كما توجد انقسامات أخرى في صفوف الثوار، حيث انخرط المتشددون في القتال، لا سيما جبهة النصرة التي وثق مسؤولون في الاستخبارات الأميركية استخدامها لتكتيك العمليات الانتحارية وروابطها مع القاعدة في العراق.

وظهرت الانقسامات حتى داخل الجيش السوري الحر نفسه. وأخيرا، اندلع صراع بين مجموعتين تابعتين للجيش السوري الحر مسؤولتين عن السيطرة على معبر الحدود مع تركيا في شمال سوريا المدعو بـ"إعزاز". وكل مجموعة كانت تسعى للحفاظ على حصتها من العوائد التي حصلت عليها من عملية السيطرة على الحدود.

تكافؤ المعركة

وإقامة منطقة حظر طيران لا يؤمن المزيد من الأمان للمدنيين فحسب، وإنما يجعل ميدان المعركة أيضا أكثر تكافؤا بين الجيش السوري الحر والنظام.

وكانت لإدارة أوباما سابقة في المنطقة من خلال العمل مع الحلفاء في "ناتو" لإقامة منطقة حظر طيران في ليبيا عام 2011. وعملية مشتركة ل "ناتو" في سوريا ضد سلاحي الطائرات والمدفعية تقلص بشكل كبير من أعداد الإصابات بين المدنيين على الأرض. والى الآن، هناك حوالي 40 الف سوري قتلوا في الصراع.

والبعض يقلق من أن يسعى حلفاء سوريا إلى الرد عسكريا. ومن المؤكد أن الأسلحة سوف تستمر في شق طريقها إلى سوريا، وبأعداد أكبر، إذا قرر كل من "ناتو" وأميركا من جانب واحد تسليح الثوار. لكن من غير المرجح أن تكون هناك محاولة لتصدٍّ عسكري لمنطقة حظر طيران تقيمها أميركا و "ناتو". ومبادرة مشتركة من "ناتو" وأميركا، تقلل من مخاطر الرد، على نقيض عمل أميركي وحيد الجانب.

درس أفغانستان

تاريخيا، يمكن أن يصبح تسليح المجموعات المسلحة مسعى محفوفاً بالمخاطر. في ثمانينيات القرن الماضي، قامت الحكومة الأميركية من جانب واحد بتزويد المجاهدين الذين كانوا يقاتلون الجنود السوفييت بالأسلحة في أفغانستان. وفي أعقاب انتصار المجاهدين، وقعت حرب أهلية استخدمت فيها الأسلحة، التي كانت أميركا قد أمدت بها المجاهدين، في إهلاك القسم الأعظم من السكان المدنيين على امتداد البلاد. وفي الوقت الذي قامت أميركا بتسليح المجموعة، فشلت في فهم الانقسامات العرقية والدينية داخل صفوف المجاهدين. والحرب الأهلية التي تلت ذلك أدت إلى المزيد من إضعاف البلاد ليس إلا، ومهدت الطريق لتشكيل حكومة طالبان.

ومن الصعب التنبؤ بتوجه سوريا في مرحلة ما بعد الأسد. ومن غير المرجح أن تصبح دولة فاشلة بالكامل أو ديمقراطية مستقرة، لكن من المؤكد أن أميركا وحلفاءها في "ناتو" سوف ينجرون إلى صراع آخر هناك، الآن أو في المستقبل، إذا عملوا على إمداد المجموعات، التي لا تنحاز إليها إلا بحدود ضيقة، بالأسلحة.

 

ملاذ آمن

 

يعني انتصار الأسد القضاء على المنشقين والناشطين والجيش السوري الحر. وإقامة منطقة حظر طيران لا يؤمن ملاذا آمنا للمدنيين السوريين فحسب، وإنما يجعل ميدان المعركة أيضا أكثر تكافؤا بين الجيش السوري الحر والنظام. فقادة الجيش السوري الحر ومقاتلوه يقولون إن أهم العراقيل أمام نجاحهم يتمثل في الطائرات العسكرية الروسية لنظام الأسد من طراز "ميغ" ونظام المدفعية، اللذين لا يملك الجيش السوري الحر دفاعات ضدهما. وإقامة منطقة حظر طيران ستساعد في إزالة هذه التهديدات، وفي الوقت نفسه لا تستدعي تقديم أسلحة يمكن أن تقع في أيدي المتشددين الذي يقاتلون نظام الأسد أيضا.