تدعي إسرائيل امتلاكها حوالي 40 % من 120 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، وهي عبارة عن المخزون المقدر للمناطق الممتدة تحت سطح البحر من مصر شمالاً إلى تركيا، والمعروفة بحوض «لوفنتين» .
وفي التفاصيل،تتجه طائرة الهليكوبتر ذات اللونين الأسود والأصفر من تل أبيب شمالاً، وتمر فوق شواطئ خالية، وميناء لليخوت، وسلسلة من المساكن مترامية الأطراف على الواجهة البحرية تقيم فيها بعض العائلات الأكثر ثراء في إسرائيل. وبعد دقائق معدودة، يقوم الطيار بانعطافة حادة إلى اليسار، ويقود مروحيته قديمة الطراز من نوع «بل 412» متوجهاً نحو البحر المكشوف.
ولمدة تزيد على نصف ساعة، فإن المياه الزرقاء للبحر الأبيض المتوسط هي كل ما يمكن رؤيته. وفجأة، ترتفع كتلة ثقيلة من الصلب مطلية بألوان زاهية من بين ضباب منتصف النهار. وتعلو أكثر من 100 متر فوق المياه منصة التنقيب عن النفط، التي تطلق عليها إسرائيل تسمية «سيدكو إكسبرس»، وهي تعمل في هذه البقعة من البحر منذ ثلاث سنوات تقريباً.
وما إن تطأ المروحية سطح المنصة، حتى ترى شعار إسرائيل يتمثل بنجمة داوود التي تعتبر العلامة الوحيدة التي تشير إلى أن «سيدكو إكسبرس» ترقد فوق أحد أعظم الكنوز التي اكتشفتها هذه الدولة المحتلة. وعميقاً تحت المياه، تتصل المنصة بأنبوب صلب رفيع يمتد على مسافة 1700 متر على امتداد البحر، و4500 متر عبر الصخور والرمال، حيث يوجد خزان واسع من الغاز الطبيعي الذي أطلقت عليه إسرائيل تسمية حقل «تامار».
اكتشافات متتالية
ويجري العاملون على سطح منصة النفط «سيدكو إكسبرس»، اختباراً لآبار الحقل المتعددة، استعداداً لليوم الذي سيبدأ كونسورتيوم أميركي - إسرائيلي بضخ الغاز إلى البر في إبريل المقبل. ومع احتياطات تقدر بحوالي 10 تريليونات قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، فإن حقل «تامار» يشكل رديفاً مهماً جداً للاقتصاد الإسرائيلي، حيث إن اكتشافه في يناير 2009، شكل أكبر اكتشاف للغاز الطبيعي في العالم في تلك السنة، والأكبر الذي تم اكتشافه في المياه الساحلية.
وهذا الرقم القياسي بالكاد صمد سنتين، قبل أن يتقزم ذلك الحقل أمام اكتشاف حقل غاز ضخم في ديسمبر 2010 على بعد 20 ميلاً شرقاً أطلقت عليه إسرائيل اسم حقل «لافياثان»، وهو أكبر خزان غاز في المياه العميقة اكتشف في العالم على مدى العقد الماضي. وتتوقع إسرائيل أن يغطي الحقلان، مع سلسلة من الاكتشافات الأصغر حجماً، طلب إسرائيل المحلي من الغاز على مدى الـ 25 سنة المقبلة على أقل تقدير، على أن تبقى مئات المليارات من الأقدام المكعبة من كميات الغاز للتصدير. ويقدر أن ما ستأخذه الحكومة الإسرائيلية من حقول الغاز قد يصل 140 مليار دولار على مدى العقود الثلاثة المقبلة، على أقل تقدير، وهو ما يمثل مبلغاً كبيراً جداً بالنسبة لاقتصاد صغير نسبياً مثل إسرائيل.
ويعتقد الخبراء أن حقلي «تامار» و«لافياثان» لن يكونا آخر الاكتشافات الكبيرة. ويشيرون إلى ما أفاد به المسح الجيولوجي الأميركي لهذه المنطقة، والذي يقدر مخزون المناطق الممتدة تحت سطح البحر من مصر شمالاً إلى تركيا، والمعروفة بحوض «لوفنتين» بأكثر من 120 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي. وتدعي إسرائيل امتلاكها حوالي 40 % من هذا المجموع، زاعمة أن احتياطاتها من الغاز الطبيعي على قدم المساواة مع الاحتياطات المؤكدة في ليبيا، وتتجاوز تلك التي تملكها كل من الهند وهولندا.
تحول كبير
وبعد أن أجبرت على استيراد الوقود على مدى عقود من الزمن، فان إسرائيل تقف اليوم على أعتاب تحول كبير في المجال الاقتصادي. ولقد اندفعت، أخيراً، في سجال حول الاستخدام الأفضل للموارد الجديدة التي تحت تصرفها. هل يفترض تصدير الغاز أو استخدامه في إسرائيل؟ وما حصة الحكومة من الثروة الجديدة؟ وما سيعود للشركات التي قامت بعمليات التنقيب في المقام الأول؟
وربما الأمر الأكثر أهمية بالنسبة لقادة إسرائيل هو، كيف ستؤثر هذه الاكتشافات في موقع البلاد في المنطقة. ويرى بعض الإسرائيليين أن حقولاً مثل «لافياثان» ستصبح بؤرة للتوتر، أو هدفاً للهجمات، فيما يرى البعض الآخر أنها ستعزز علاقة إسرائيل بجيرانها، الذين يبقى بعضهم متعطشاً للطاقة. فالاكتشافات الأخيرة هي كبيرة جداً، وجاءت بشكل سريع، حيث إن بعض الإسرائيليين يجدون صعوبة في التأقلم مع الحقائق الجديدة.
وتفيد صحيفة فايننشال تايمز أن اكتشاف «لافياثان» و«تامار» وغيرها من الحقول، كان وراءه رجال أعمال شرسون، من أمثال جدعون تدمور الذي تصفه برائد صناعة الغاز الطبيعي في إسرائيل. وتقول إن تدمور، الذي تدرب كمحام وانخرط في مجال العقارات قبل أن يقرر منذ أكثر من عقدين في تركيز اهتمامه على اكتشافات النفط والغاز، انخرط في خط أعمال لم يكن واعداً كثيراً حينه.
مراقبة مصر
بدأ تدمور في طرق أبواب الحكومة الإسرائيلية لطلب تراخيص استكشاف عن النفط، في ظل غياب أي منافسة. وشركته «آفنر أويل أند غاز» بدأت التنقيب عن النفط في اليابسة عام 1991، قبل الانتقال إلى المياه العميقة القريبة من الشاطئ، لتدفع في النهاية حتى إلى المزيد من الأعماق. يقول تدمور، وهو جالس في قاعة مؤتمرات في مقره شمال تل أبيب: «كنا ننظر إلى النجاح الكبير ونشاط استكشاف الغاز في مصر، وشعرنا جميعاً أن الاتجاه الجيولوجي لعلم طبقات الأرض لن يتوقف عند الحدود السياسية، وإنما لا بد أن يمتد إلى المياه».
والتنقيب في المياه العميقة مع ذلك تطلب أموالاً كثيرة، ليس هذا فحسب، وإنما أيضاً معرفة فنية عميقة. وقد قرر تدمور وشركاؤه، جلب شريك استراتيجي، وهو سعي تبين لاحقاً أنه ينطوي على عوائق كثيرة. يقول تدمور: «كان مساراً من دون أفق، وكنا على استعداد للتفتيش في كل مكان. وعلمنا بأن إيجاد شريك استراتيجي سيكون أمراً أساسياً، لأنه لم تكن هناك أي خبرة في إسرائيل». وتدمور وشركاؤه كانوا يقترحون التنقيب في المنطقة التي أظهرت الخصائص نفسها الموجودة في المياه المصرية المجاورة، حيث جرت الاكتشافات. لكنهم أخفقوا مجدداً، الأمر الذي أشعل شكوكاً لديهم من أن مجموعات النفط الأميركية والأوروبية الكبيرة لم تكن مستعدة للمخاطرة بعلاقات حيوية لها مع الدول العربية بالاستثمار في إسرائيل.
فقرر تدمور أن يأخذ محاميه ويطير إلى هيوستن، يقول: «في تلك الأثناء كان سعر النفط 15 دولاراً للبرميل، وهذا كان يعني أن لا أحد كان مستعداً أن يتخذ قرارات حاسمة للدخول إلى بلدان جديدة».
وقد نجم عن هذه الرحلة إلى هيوستن صفقة مع شركة تنقيب عن النفط صغيرة مقرها أوكلاهوما تدعى «ساميدان أويل». تقول فايننشال تايمز إن هذه الشركة كانت أصغر من أن تقلق بشأن علاقاتها مع وزراء النفط العرب، لكنها كانت كبيرة بما يكفي للسعي إلى التنقيب عن النفط خارج أميركا. ولقد تغير اسمها لاحقاً إلى «نوبل إنيرجي»، وبرزت إلى جانب شركتي «آفنر» و«ديليك»، وهما تكتل من شركتين إسرائيليتين، باعتبارها واحداً من اللاعبين الثلاثة الأساسيين في طفرة الغاز الطبيعي لإسرائيل، ولاحقاً اشترت «ديليك» شركة «آفنر»، لكن أبقت تدمور لإدارة المجموعة. وإلى هذا اليوم، تسيطر المجموعات الثلاث على معظم الحقول الكبيرة المكتشفة في حوض «لوفنتين».
ولقد حفر الشركاء البئر الأول عام 1999، فوجدوا غازاً لكن بكميات صغيرة جداً لا تصلح للاستغلال التجاري الفوري. وبعد سنة، وفي حقل مجاور يعرف بـ «ماري بي» اكتشفوا حقل غاز طبيعي يحوي حوالي تريليون قدم مكعبة. وبعد أربع سنوات، بدأ الغاز في التدفق إلى إسرائيل، حيث تم استخدامه في توليد الكهرباء.
ولقد برهن تدمور وشركاؤه على أن هذه الاحتياطيات يمكن استغلالها بشكل مربح. لكن الاكتشافات في حقل «يام تثيز» كانت مجرد نموذج مصغر لما سيأتي لاحقاً. ففي يناير 2009، تم اكتشف كونسورتيوم يضم أيضاً «نوبل» و«ديليك» و«آفنر»، إلى جانب شركتين إسرائيليتين «أسرامكو» و«ألون»، حقل «تامار». وفي السنة التالية، تم اكتشاف حقل «لافياثان» الكبير.
قوة جيوسياسية
وخلال تحدثه، أخيراً، عن عمليات التنقيب التي أكدت هذا الاكتشاف الضخم، أدلى إسحاق تشوفا رئيس شركة «ديليك»، وواحد من الرجال الأكثر ثراء في إسرائيل، برأيه حول حقول الغاز الطبيعي، فقال: «هذه قوة جيوسياسية تحتاجها إسرائيل الآن أكثر من أي وقت مضى، فإسرائيل ستصبح لاعباً دولياً كبيراً، وستكون لها قوة مؤثرة في مواجهة كثير من دول المنطقة».
وأحد الرجال، الذي كانت مهمته تتمثل في تنظيم هذه القوة، هو وزير الطاقة والمياه عوزي لانداو. ولانداو الذي ينظر إليه كأحد صقور السياسة، ويشدد على الفوائد السياسية الكامنة وراء اكتشافات الغاز في البحر المتوسط. ويقول إنه تواق لتصدير بعض من الغاز الطبيعي إلى الأردن وأراضي السلطة الفلسطينية، يضيف: «نعتقد أن هذا لن يكون جيداً للأعمال فقط، وإنما أيضاً شديد الأهمية لموضوع التعايش». ويضيف: «هذا في نهاية المطاف سيساعد في إبرام اتفاقية سلام. فالغاز الطبيعي مهم أيضاً على المستوى السياسي. ونأمل في تطوير علاقاتنا في المنطقة». ولانداو يشير إلى أن إسرائيل وطدت علاقاتها السياسية والاقتصادية مع قبرص، التي اكتشفت هي الأخرى مخزونات كبيرة من الغاز في مياهها الإقليمية قرب الاكتشافات الإسرائيلية. وهناك أيضاً حديث عن بناء خط أنابيب غاز إلى قبرص، وعن وصل شبكة الكهرباء الإسرائيلية بقبرص عبر كابل تحت البحر.
ليس الجميع مقتنعاً بأن الغاز الطبيعي لإسرائيل سيكون قوة للتكامل الإقليمي، حسبما تدعي إسرائيل. لكن في الوقت الحالي، بالنسبة لدولة قضت عقوداً معزولة اقتصادياً، وتستمر في الاعتماد على الدعم المالي لأميركا، فإن هذا السخاء سيأخذ وقتاً لـ «توظيفه».
ترجمة - نهى حوّا
توظيف سياسي
ليس الجميع مقتنعاً بأن الغاز الطبيعي لإسرائيل سيكون قوة للتكامل الإقليمي، حسبما تدعي إسرائيل. فالحقول الشمالية مثل «تامار» و«لافياثان» يؤكد لبنان أنها تقع ضمن مياهه الإقليمية، واتهمت جماعة حزب الله اللبنانية إسرائيل بسرقة الغاز من لبنان.
تقول تشافر: «نميل للتفكير بأن البلدان التي تحوي كثيراً من النفط والغاز شديدة القوة، لكن إذا نظرت إلى الأمر بعناية أكثر، سوف ترى أنه سيف ذو حدين. فالبلدان التي لديها كميات كبيرة من النفط والغاز تتعرض لكثير من المشكلات، وإلى التورط في صراعات أكثر من الدول الأخرى».
لكن بالنسبة لإسرائيل في هذه اللحظة، فإنها تتوقع فوائد كبيرة من اكتشافات الغاز. وبعد أن قضت عقوداً في عزلة اقتصادية واسعة، وتستمر في الاعتماد على الدعم المالي لأميركا، تعتقد تل أبيب أن هذا السخاء سيأخذ وقتاً لـ «توظيفه».
سياسة الأمر الواقع في البحار
سيغير اكتشاف حقلي «تامار» و«لافياثان»، ميزان الطاقة لدى إسرائيل التي تعتمد كلياً على استيراد كل مواردها منه، وسيؤهلها للاكتفاء ذاتياً لثلاثين عاماً، ويمكن حتى أن يحولها إلى دولة مصدرة للطاقة، حيث قدرت هيئة الدراسات الجيولوجية الأميركية في 2010، كميات الغاز الطبيعي الموجودة بأعماق البحر المتوسط بنحو 120 تريليون قدم مكعبة.
ويشدد لبنان أن حقول الغاز المكتشفة في البحر المتوسط ضمن المنطقة الاقتصادية التابعة له، ويعتبر استفادة إسرائيل منها اعتداء عليه. وإسرائيل التي انتهزت فرصة توقف المفاوضات بين لبنان وقبرص عام 2007 حول ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، للدخول في مفاوضات مع قبرص، انتهت إلى اتفاق على تقاسم الغاز الموجود في المنطقة البحرية لحدود الدولتين، تدعي امتلاكها لكل آبار الغاز في المنطقة البحرية.
وتقول إسرائيل إن الحسابات الدولية الجديدة للمياه الاقتصادية لم تعد تعتمد على الخط المستقيم، بل الخط المائل، وأنها وفق تلك الحسابات وقعت اتفاقيات السلام بين إسرائيل ومصر، وبين إسرائيل والأردن، بينما يقول الخبراء إنه بموجب حسابات وفق الخط المستقيم في عرض البحر، فإن الغاز الطبيعي موجود عند نقطة تقع بين مدينتي صور وصيدا اللبنانيتين، أي أنه ضمن الحدود اللبنانية، ولا يحق لإسرائيل التصرف بها. والمعيار الذي يتم الاستناد إليه في تحديد الحقوق البحرية هو قانون البحار الذي أصبح موضع التنفيذ عام 1994، والذي لم توقع عليه إسرائيل. وإسرائيل التي دخلت المنطقة الاقتصادية الخاصة بلبنان، سبق أن اعتدت على المناطق الاقتصادية الخاصة بقطاع غزة. ويعتقد الخبراء أن هذه الثروة التي تقع في البحر المتوسط لا تهم لبنان فقط، وإنما أيضاً سوريا وتركيا ومصر والسلطة الفلسطينية، وأن تطوير حقول الغاز الإسرائيلية قد يواجه تعقيدات بسبب الصراعات الإقليمية.