باستثناء نسبة ضئيلة من المواطنين المجنسين، فإن عدداً محدوداً من الأميركيين يدلون بصوتهم في الانتخابات الرئاسية بناء على برامج المرشح المتعلقة بالسياسة الخارجية، وربما بدرجة أكبر، بناء على فهمه للشؤون الدولية. فالأميركيون يقترعون بحسب أوضاعهم المالية، وهذا كان الوضع على الدوام وهكذا سيبقى في المستقبل.
وقائع اقتصادية
ينطلق المرشحون، آخذين في الاعتبار الوقائع الاقتصادية، في جولات إلى الخارج في محاولة لإسدال هالة من الوقار على شخصياتهم، وذلك في سبيل البرهان على أنهم يعرفون بعضا مما يجري في باقي العالم من أحداث. والحقيقة تقال، إن أيا من هذه المؤهلات ليست مطلوبة، وهي بيروقراطية راسخة منذ زمن طويل بقيادة 40 لجنة وجماعة مجلس الأمن القومي الوطني، هي التي تتعامل مع كل العمليات الحساسة، وتدير روابط أميركا الدولية الحيوية.
وغالبا ما يعطى الرئيس خيارات عدة يفترض به الاختيار بينها. وليس الأمر بسيطا كما يبدو، لكنه ليس كثير التعقيد أيضا، باختصار، تعد السياسة الخارجية على درجة من الخطورة على أن تترك للهواة يمثلون أمام الناس، ويؤدون وظائف عدة، ويستعرضون قدراتهم، ويُمتحنون أمام المؤسسات الإعلامية، ويجنون أموالاً من الأغنياء، ويقدمون برامج عديمة الفائدة خلال المؤتمرات، ويقبـّلون الأطفال لإظهار بعض من الإنسانية، ويستقلون الحافلات للتواصل مع المواطن العادي، ويتظاهرون بأنهم يدركون أو يهتمون بملايين الأشياء الأخرى.
هناك الحاكم السابق ميت رومني ،الذي يريد أن يصبح رئيسا لأميركا، بناء على قيم الحزب الجمهوري التي واجهت، من بين أمور أخرى، تحديات خطيرة خلال أعوام 2000 - 2008. ومع أن هذه التركة ستحتاج إلى بعض الوقت ليجري استيعابها وفهمها والدفاع عنه، إلا أن هذا السعي يدعو إلى التفاؤل حيال إمكانية إعادة تشكيل قيم أصيلة للحزب الجمهوري تتماشى مع الأعراف التي مثلها يوما الرئيس الأميركي الأسبق إبراهام لينكولن. ولم نصل إلى هذه المرحلة بعد، والرحلة قد تستغرق بعض الوقت، لكن المرشح الجمهوري رومني في جولاته الأخيرة إلى بريطانيا وإسرائيل وبولندا، فشل في إظهار أي هالة من الوقار.
في لندن، أهان رومني البريطانيين من خلال مقارنة مهاراته الإدارية المتفوقة، عندما كان رئيسا ومديرا تنفيذيا للألعاب الأولمبية الشتوية التي جرت في مدينة سولت ليك عام 2002، بالاستعدادات الرديئة المفترضة للألعاب الأولمبية في بريطانيا عام 2012.
وخلال توقفه في المحطة الثانية، ركز رومني على خطأ أوباما السياسي الرئيسي، المتمثل في عدم زيارة إسرائيل فيما هو في سدة الرئاسة، وهو خرق يمكن استخدامه لجذب الأموال والأصوات اليهودية. وبالطبع، كان أوباما منشغلا جدا بأزمات اقتصادية متتالية في الداخل للقيام بأي شيء حيال ما يسمى مسار السلام الفلسطيني الإسرائيلي، مما سمح للصراع بالتفاقم، في الوقت الذي امتنع عن الضغط مقدار ذرة على إسرائيل.
وبالتأكيد، كانت علاقاته برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو صعبة خصوصا بعد أن قام هذا الأخير بالتعالي على "الرجل الأكثر قوة في العالم" في داخل المكتب البيضاوي. وقد يكون رومني قد نسى هذا الأمر ذلك انه أشاد بنتنياهو مؤكداً أن نجاح إسرائيل الاقتصادي كان نتاج اختلافات "ثقافية".
فهم تعيس
والمديح كان يقصد به أن يكون فلسفيا، لكنه أظهر فهما تعيسا لأمور السلطة والقوة. فقد اتخذت لندن قبل فترة طويلة من ميلاد رومني قرارا بخصوص فلسطين عبر وعد بلفور المعيب، وهو الوعد الذي لم يطبق إلا جزئيا. وما يهم في عام 2012، هي رحلة صيد المرشح الجمهوري، التي قلدت زيارة أوباما لإسرائيل في تموز 2008، ويفترض أنها أظهرت حزما في الوقوف إلى جانب رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو ضد الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
الوضوح الأخلاقي
يقول المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأميركية ميت رومني إنه يرغب في تبني سياسة خارجية أميركية مبنية على "الوضوح الأخلاقي"، ستتطلب منه تحويل موسكو إلى "العدو الجيوسياسي رقم واحد" لواشنطن، وفرض عقوبات تجارية على الصين، ودعم إسرائيل عندما تقوم هذه الأخيرة بشن هجوم عسكري على لبنان، غير أنه لن يتم الوفاء بأي من هذه الخيارات على الأرجح، حتى لو كانت التداعيات مثيرة للقلق.
وتجدر الملاحظة أن مثل هذه الخطط لا يمكن أن تمضي لسببين على الأقل: أولا، فوز رومني في الانتخابات مشكوك بأمره، وفي حال تمكن بطريقة ما من هزيمة الرئيس الأميركي باراك أوباما، فسوف يفهم بسرعة عندما يصبح الرئيس ال45 للولايات المتحدة، حدود سلطته في عالم سريع التغير، حيث "الطيب" لا يمكنه بعد الآن أن يبرر التضحيات في الأرواح والمال من أجل هزيمة "محور الشر" المزعوم. تماما كما أدرك أوباما ذلك.