في تزامن مع خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما أمام البرلمان الأسترالي في شهر نوفمبر الماضي، و إصدار وزارة الدفاع الأميركية لوثيقة السياسة العامة، التي جاءت تحت عنوان: الحفاظ على قيادة الولايات المتحدة العالمية: أولويات الدفاع في القرن 21، ظهر مصطلح
اتسم دائما كالعادة بأنه تطوري أكثر منه ثوري، ينطوي على عنصرين أساسيين. العنصر الأول، وهو أن هناك اعترافا واضحا من قبل الولايات المتحدة بأن وضعها الدفاعي يجب أن يتم تعديله بشكل كبير في ضوء ظروفها الاقتصادية. و هذا الخفض في الإمكانيات أمر مهم. وغالباً لا تعترف واشنطن رسمياً بأنها لم تعد لديها وفرة من القوة، و لا يمكنها أن تشن الحروب في كل مكان. أما العنصر الثاني، فهو أن وثيقة السياسة العامة أعادت التأكيد على أن الولايات المتحدة لها مصالح حيوية في منطقة شرق آسيا، وأنها وفقاً لذلك مصممة على الاستمرار في لعب دور بارز في تشكيل مستقبل المنطقة.
أدى مفهوم الدولة المحورية إلى توافق بين هذه الضرورات المتنافسة. فقد سعت واشنطن لتوضيح أنها، إذا لزم الأمر، سوف ترضى بكونها قوة في المحيط الهادي، بدلاً من أن تكون قوة عالمية. و تلك الإشارة تم توجيهها للصين بشكل لا لبس فيه.
وسائل متعددة
وكانت الولايات المتحدة، بطبيعة الحال، تمتلك أكثر من وسيلة باتجاه هذا الهدف قبل عقد من الزمان. وعلى النقيض من إدارة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، التي كانت مستعدة في نهاية المطاف للتوصيف بالصين على أنها شريك استراتيجي، فقد أعادت إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش تصنيفها باعتبارها منافسا استراتيجيا محتملا، مخالفة بذلك الأولويات الاستراتيجية التي استرشدت بها على امتداد 50 عاما، و قامت بتحديد منطقة جديدة، وهي منطقة الشرق الآسيوي الساحلية، كمركز لمصالح أميركا الأمنية. و قد تم تحديد هذه المنطقة (عمداً) كمنطقة تمتد من جنوب اليابان عبر أستراليا حتى خليج البنغال، و على وجه التحديد فهي المنطقة التي تركز عليها إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الآن.
تركيز أمني
في منتصف عقد التسعينات من القرن الماضي، بدأت القيادة العسكرية الأميركية الضغط لوضع حد لتركيز المصالح العسكرية الأميركية في اليابان وكوريا الجنوبية على أساس أن التركيز الأمني كان يتجه ناحية الجنوب. كان معظم رجال الدولة ومستشاري السياسات والأكاديميين يصفون العلاقة بين الولايات المتحدة والصين على أنها السمة المميزة للقرن الحادي و العشرين. وأشار الاستراتيجي الأسترالي البارز هاغ وايت إلى أن هذه النزعات المبكرة كانت سليمة في ما يتعلق بالتحالفات القائمة على المصالح المادية.
ويدعي وايت أنه في الوقت الذي يعتبر التفوق الأميركي ليس مجدياً، والتفوق الصيني ليس جذاباً، فإن الوصفة المناسبة للسياسة تتمثل في التطلع إلى تحالف قوى في آسيا والمحيط الهادئ. وهذا يشمل اتفاق كل من الولايات المتحدة والصين على عدم انشغال إحداهما برؤية الطرف الأخرى يقبل بأن يكون في الدرجة الثانية. ويميل وايت إلى وجهة النظر القائلة إن حمل الولايات المتحدة على التخلي عن تفوقها ربما يكون أكثر صعوبة من اقناع الصين بعدم التطلع إليه، ويعتبر أن التطورات المرتبطة بقوة محورية مؤشر لهذا التفاوت.
قد يكون العكس هو الصحيح، فربما تكون الصين، مثل الولايات المتحدة، غير ميالة للتخلي عن مطالبها الاستثنائية. ويعد السياق السياسي المحيط بالقوة المحورية غنيا بالمعلومات في هذا الصدد. وبالإضافة إلى السعي، بنجاح كبير، لوقف التراجع الحاد في مكانة أميركا في ظل إدارة بوش، فقد اهتمت إدارة أوباما بالتأكيد على مصالح أميركا و التزاماتها و مواطن القوة في غرب المحيط الهادئ وشرق آسيا. لكن لا يبدو أن أحدا يمكن أن يعير ذلك اهتمامه. قيود صينية
في الوقت الذي كانت تجارة الصين واستثماراتها واحتياطياتها من النقد الأجنبي و أرقام الإنفاق العسكري ترتفع بوتيرة تشير إلى أنها سبقت عصرها.
ولكن في مارس 2010، جلبت الإجراءات التي اتخذتها كوريا الشمالية شبه الجزيرة الكورية إلى حافة الحرب بشكل يفوق مما كان عليه منذ عقود. ولم يقتصر الأمر على عدم تنديد الصين بالاستفزازات العسكرية من جانب كوريا الشمالية فحسب، ولكنها سعت أيضاً إلى فرض قيود على مبادرات الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية الرامية إلى ردع بيونغيانغ. وفي الوقت نفسه تقريباً، اتخذت الصين موقفاً أكثر حزماً بشكل ملحوظ في فرض مطالبها في بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي.
ويبدو أن ردود بكين حيال هذه الأحداث قد حفزت العديد من الحكومات في شرق آسيا إلى اختبار ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة وقادرة على أن تكون لاعبا على المدى الطويل في المنطقة.