يكمن وراء الاحتجاجات الجماهيرية في موسكو، على ما أكد المراقبون أنها انتخابات رئاسية مزورة، عدد من العوامل الديمغرافية والاقتصادية الأساسية التي تشير إلى ان الشعب الروسي سيستمر في تحدي شرعية رئاسة بوتين خلال ولايته الرئاسية الثالثة.
وكان انتخاب فلاديمير بوتين رئيسا لروسيا أخيرا وعودته إلى الكرملين لولاية ثالثة أمراً شبه مؤكد، وقد أعلنت لجنة الانتخابات المركزية عن فوزه بأكثر من 60% من الأصوات مما جنبه خوض جولة ثانية.
لكن الأمر شبه المؤكد أيضا هو ان شرعية رئاسته سيجري تحديها خلال ولايته الثالثة نظرا لحجم الاحتجاجات الأخيرة ضد عودته، والانتقادات القاسية لعملية الاقتراع، التي أدينت باعتبارها غير نزيهة ومزورة.
يقظة سياسية
كما ستستمر اليقظة السياسية للطبقة الوسطى في مدن روسيا والتي تجسدت أخيرا في التظاهرات الأخيرة التي جذبت عشرات الألوف من المواطنين. ومنذ مدة ليست بعيدة في الصيف الماضي، فإن قلة من الخبراء توقعوا ان تحصل اليقظة بهذه السرعة.
لكن سرعان ما جاء إعلان الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف في سبتمبر الماضي انه لن يسعى لولاية ثانية، ليفتح المجال لعودة راعيه إلى الكرملين. وتلا ذلك إعلان بوتين أنه اتفق مع ميدفيديف في وقت سابق على انه سيعمل على استعادة الرئاسة.
وبالإضافة إلى تنامي الثروة وتنامي الطبقات الوسطى، فان عوامل أخرى تسهم بتسهيل المطالبة بالديمقراطية في روسيا، مثل المستوى التعليم الجامعي والمعدلات المرتفعة جدا في استخدامات الإنترنت، مما جعل روسيا اكبر سوق للإنترنت في أوروبا. بل ان مسؤولين روساً كباراً مثل النائب الأول لرئيس الوزراء الروسي إيغور شوفالوف، يقرون بأن زيادة استخدام الإنترنت ونمو الثورة غيرا الوقائع السياسية في روسيا.
قال شوفالوف لوكالة رويترز أخيرا: "نحتاج إلى معاملة هذا الوضع كحقيقية سياسية جديدة"، مضيفا انه عندما يصل متوسط نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي إلى 15 الف دولار، فان النظام السياسي يجب ان يصبح أكثر مرونة وحداثة.
استبعاد التغيير
لكن تغيير النظام بالعنف على غرار ما حدث في الربيع العربي ليس مرجحا في روسيا. وتغيير النظام بإمكانه أن ينجح فقط إذا ما شهدت البلاد عصيانا في موسكو. لكن في الوقت الذي تتراجع شعبية بوتين فعلا في العاصمة الروسية، فإن موسكو ليست طرابلس الغرب أو تونس، ولديها وفرة من الفرص الاقتصادية، والبطالة في موسكو تقل عن المستوى الوطني الروسي على نحو كبير.
ومن العوامل الاجتماعية الأخرى التي تسهل الانتفاضة، "تضخم شريحة الشباب" والفقر النسبي، وهما أمران بالكاد يمكن ان ينطبقا على موسكو. فمتوسط العمر لسكان موسكو هو حوالي 40 عاما، ويعد ضمن الأكثر إيغالا في السن في روسيا، والعائلة الروسية ذات الإمكانيات العادية تملك أصولا تساوي مئات الألوف من الدولارات.
وعلى الرغم من أن ممثلي الطبقة الوسطى يطالبون بشكل متزايد بحرية سياسية، وحكم افضل ونهاية للفساد، إلا أنهم يريدون حصول هذه التغييرات بطريقة سلمية. وحتى لو تحولت هذه الاحتجاجات بشكل مفاجئ إلى احتجاجات عنيفة، فان منطقة موسكو تتباهى بان لديها الكثافة الأكبر لجهة طواقم الشرطة والأمن، الذين يبقون مخلصين لبوتين ويمكن توظيفهم لتهدئة العنف.
ولقد قلل بوتين في البداية من أهمية الاحتجاجات التي اندلعت في أعقاب الانتخابات البرلمانية المزورة في ديسمبر الماضي، والتي جلبت معا قوى مختلفة سياسيا، بمن في ذلك محاربو الفساد والقوميون المتشددون وأعضاء من أحزاب المعارضة القائمة.
ومنذ ذلك الحين، اظهر إشارات إلى انه يأخذ تظاهرات الاحتجاج الجماهيرية بجدية، فقام ببعض الإجراءات لإضفاء الطابع الليبرالي بما في ذلك وعود بانتخابات شبه مباشرة لحكام المقاطعات، كما أسس محاكم إدارية لسماع شكاوى المواطنين ضد الدولة، وثبت كاميرات فيديو على مقرات الاقتراع، بل أوجد موقعــا للمظالـــم خاصــا بالأعمــال والشركــات.