في الخامس و العشرين من ديسمبر عام 1991، كان رئيس الاتحاد السوفيتي السابق ميخائيل غورباتشوف يستعد لتوقيع مرسوم تاريخي يضع نهاية لسبعة عقود للاتحاد السوفيتي السابق. لكنه بينما كان يتأهب لكتابة قرار إلغاء الاتحاد السوفيتي واستقالته على الوثيقة الرسمية بقلم المراسم، شعر بالإحراج لأن القلم لا يؤدي مهمته.
لقد كان الاتحاد السوفيتي السابق دوماً مزيجاً من القدرة الهائلة و الحماقة المذهلة. وقد أصاب الغرب شعور بالخوف من الأولى، فيما قلل من شأن الثانية. وفي الوقت الذي تغيرت الكثير من الأمور في روسيا منذ عام 1991، لم تتغير أمور أخرى كثيرة. ولا يخفى على أحد أن كل انتخابات تم التلاعب فيها، وذلك منذ الانتخابات النيابية المتسمة بالشفافية و التي جرت في عام 1989 في عهد الرئيس الروسي الأسبق غورباتشوف. لكن الفارق هذه المرة، بحسب تصريحات للمشاركين في العملية الانتخابية، يكمن في أن التلاعب تم بشكل خاطئ.
ففي حين تم التلاعب في صناديق الاقتراع خلال الانتخابات الأخيرة (حيث تم تسجيل 1100 حالة تزوير، لذلك فليس هناك شك في وجود المزيد من الحالات الأخرى)، أكد أحد النواب التابعين لحزب روسيا المتحدة الذي يتزعمه رئيس الوزراء فلاديمير بوتين أنه لم تحدث أية انتهاكات. لقد انهارت آليات التلاعب في الانتخابات على نطاق غير مسبوق، حيث حصل حزب روسيا المتحدة على أغلبية هزيلة، وانطلاقاً من الشعور بضعف رئيس الوزراء، خرج ألوف المتظاهرون إلى الشوارع.
والسؤال المطروح الآن أمام بوتين يتمثل فيما إذا كان فشل الآليات القديمة التي كانت تضمن فوزاً يتراوح بين 70% أو 80% جاء نتيجة الحماقة، أو بشكل أكثر إثارة للقلق، نتيجة ضعف الإرادة من جانب السلطات المحلية التي كانت مكلفة بتطبيق تلك الآليات. ويعتبر 5 آلاف متظاهر خرجوا إلى الشوارع في موسكو، أخيراً، نقطة في محيط، حيث يشكلون فقط 0.4% من إجمالي عدد السكان، ولكن لو أن الآلة السياسية هي التي تتمرد على رئيسها فإن ذلك أمر خطير.
في الماضي، كان بوتين يعاجل بسحق أدنى مظاهر التمرد. وكانت هذه هي الحال عندما مكّنه النجاح الاقتصادي الذي تحقق في عهده من الحصول على نتائج قوية في الانتخابات، وبات موقفه بعيداً كل البعد عن أن تقهره قوى المعارضة المتشرذمة و العدائية. أما وقد أصبح أكثر ضعفاً الآن، فقد وهن مركزه الذي لا يضاهى بوصفه منقذ روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق في عام 1991، فلا بد و أن الرغبة في القمع على نحو أكثر عنفاً أصبحت قوية.
القمع الذي مارسه بوتين في السابق ضد الأحزاب و الصحافيين من المعارضة لم يجلب عليه ما يتجاوز اللوم العرضي من الغرب. لكن هناك تقارير الآن تفيد بأن السلطات المحلية الروسية ترفض قمع المتظاهرات، وتنأى بنفسها عن تشويه موقفها مع مواطنيها. وأرسلت موسكو بقوات من مناطق بعيدة للقيام بهذه المهمة، لكن في حال حدوث حالات قتل أو إصابات بين المتظاهرين فإن ذلك يمكن أن يمنح الحركة المناهضة لبوتين، الذي لا يزال ضعيفاً، زخماً حقيقياً.
والذين يعرفون بوتين يتحدثون عن جانبين في شخصيته، الأول هو رجل الاستخبارات الروسية الفولاذي الذي تنأى أفعاله عن أي منطق تحكمه العاطفة. لكن هناك أيضاً ظلال شخصية الطفل الضعيف الشرير، والذي كرس حياته للبحث عن الانتقام. وقد بدا هذا الجانب الأخير في غضبه الذي أطلقه ضد من يظهرون التحدي له، بمن فيهم الأوليغارشي «ميخائيل كودروكفسكي» و الرئيس الجورجي «ميخائيل ساكاشفيللي»، الذي سخر من بوتين عن غير حكمة، حين وصفه بـ «بوتين الضئيل». وتنتظر روسيا لكي ترى أياً من الجانبين في شخصية بوتين سوف يغلب.
الإشارات التي تلوح في الأفق غير واعدة. وانسحاب بوتين المؤقت من الرئاسة تبين أنه كان من باب التضليل. وعندما أعلن بوتين و الرئيس الروسي فلايديمير ميدفيديف عن خطة تبادل السلطة في انتخابات مارس المقبل، فقد كان ذلك تأكيداً للخداع الذي استخف بالعملية الانتخابية والناخبين الروس.
إن تنصيب بوتين رئيساً لروسيا للمرة الثالثة من شأنه أن يبعث برسالة مألوفة، مفادها أن المستبد ليس بحاجة للانصياع لحكم القانون. الإخفاق الاقتصادي هو المحفز لحالة السخط، لكن في الوقت نفسه لا ينظر المراقبون إلى المظاهرات التي اندلعت أخيراً، في روسيا على أنها النسخة الروسية من الربيع العربي. فمن شهد واقعة الانقلاب العسكري التي شهدتها روسيا في أغسطس من عام 1991، يعرف أن ديناصورات الشيوعية الذين حاولوا إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، تمت مواجهتهم بالمتظاهرين في شوارع موسكو. وشوهد الروس يطلق عليهم الرصاص أو يتم سحقهم بالدبابات.
كما شوهد الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسن معتلياً دبابة يحث الروس على التظاهر. وعندما تمت هزيمة المتشددين، اعتقد البعض أن الدكتاتور قتل في روسيا، و أنه تم التخلص من القمع وأن الحرية و الديمقراطية سوف تحلان محل القمع. لكن ذلك لم يكن صحيحاً.