يتدفق رؤساء الحكومات الأجنبية على واشنطن، وغالبا من دون اهتمام من جانب الرأي العام خارج منطقة صنع القرار في واشنطن، وربما لا تجد صور الرئيس الأميركي باراك أوباما والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أو المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل طريقها إلى الصفحات الأولى من الصحف الأميركية. غير أن الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الصيني هوجنتاو لواشنطن تعد مسألة أخرى تماما، حيث تحولت كل خطوة قام بها إلى موضوع للفحص الدقيق. وأسباب ذلك واضحة تماما، فالصين الآن هي ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الاقتصاد الأميركي، وهي تولد قدرا من الغازات الدفيئة يفوق ما تولده أميركا ومؤسستها العسكرية، وتتقدم بصورة ملحوظة في التعقيد الفني والمهارة والقدرة على التصدي للإطاحة بافتراضات طالما تمسكت بها الولايات المتحدة في المحيط الهادي، وفي عام 2010 وجدت الولايات المتحدة والصين نفسيهما في مواجهات محتدمة حول قضية إثر أخرى، وتبنت الصين أسلوب استعراض العضلات على نحو يفوق ما تعود الأميركيون عليه.
وفي حقيقة الأمر فإن العلاقات الصينية- الأميركية، التي تصفها إدارة أوباما بانتظام بأنها العلاقات الثنائية الأكثر أهمية على مستوى العالم في هذا القرن، تحتاج للاشتغال عليها.
ويجد البلدان نفسيهما بصورة متزايدة منغمسين في ورطة أمنية يرى في إطارها كل جانب، على المستويات الحكومية الرفيعة والشعبية، أن تصرفات الجانب الآخر تشكل خطرا على مستقبله، ويرد عليها بإجراءات مضادة تعمق شكوك الطرف الآخر في نواياه. وتتعالى الأصوات في كل بلد مشيرة إلى المخاطر التي يشكلها البلد الآخر.
وهذا الوضع قائم بصفة خاصة في القطاع العسكري الهش والبالغ الحساسية، ولكنه ينعكس في التوترات الموجودة على الجبهات الاقتصادية والتجارية وذلك على الرغم من العلاقات الوثيقة والمفيدة للجانبين التي تربط الاقتصادين الأميركي والصيني.
وقبل 30 عاما عندما كانت الولايات المتحدة والصين تتعارفان بعدوى الحرب الباردة المريرة بينهما، أشار بعض المراقبين إلى أن العلاقات بين البلدين تدفعها الرحلات وكانت زيارة يقوم بها الرئيس الأميركي أو الصيني حدثا يفرض التحرك ويدفع الأجهزة البيروقراطية المتكاسلة إلى التحرك قدما، ويؤدي إلى التغلب على الشلل الداخلي الناجم عن صراعات مجموعات المصالح.
هذا كله صحيح ولكن بدرجة أقل، فنطاق التفاعل الأميركي ــ الصيني الآن بالغ الاتساع، وقنوات الاتصال الرسمية متعددة والحفاظ على الاتصالات الروتينية أمر منتظم، بحيث أنه ما من زيارة رئاسية في أي من الاتجاهين يمكنها أن تكتب سيناريو جديا في صفحة خالية.
وفضلا عن ذلك فإن كل من تابع عن قرب الأعمال التحضيرية التي تسبق الزيارات الرسمية للرئيسين الأميركي والصيني يعرف أنه قبل حدوث الزيارة بأسبوع على الأقل فإن نتائجها تحدد بوضوح، ومن يصحبون الزائر، وخاصة عندما يكون هذا الزائر هو الرئيس الصيني، يهتمون بالمظهر الذي سيظهر عليه من منظور الجمهور في وطنه، تماما بقدر اهتمامهم بالمشهد كما سيبدو في الدولة المضيفة، أو بمحتوى أي اتفاقيات يتوصل إليها الرئيسان.
ومع ذلك فإن معظم التجارة الدولية لا تزال تجري بالدولار، بل إن قيمة الدولار قد زادت خلال الركود، على الرغم من المتاعب الاقتصادية الأميركية حيث يصف المستثمرون، بمن في ذلك المستثمرون الصينيون، الولايات المتحدة باعتبارها مرفأ آمنا لأموالهم.
ويقر الرئيس هوجنتاو بأن هدف الصين المتمثل في جعل اليوان عملة دولية سيكون عملية ممتدة إلى حد بعيد، وقد حاول الاتحاد الأوروبي واليابان إسقاط الدولار من مكانته باعتباره العملة الاحتياطية العالمية، لكن هذه المحاولات منيت بالفشل إلى حد كبير.
والدولار قد يفقد بعضا من سيطرته على التجارة مع بروز اقتصادات عملاقة مثل الاقتصاد الصيني ولكن هذا التغير يمكن أن يحدث حتى مع اتساع نطاق التجارة العالمية الأمر الذي يساعد كل الأمم. والعملات الأخرى يمكن استيعابها بسهولة إذا ترك القادة الأسواق تنمو بحرية ولم يحاولوا كبح جماحها من أجل مزايا قصير الأجل غالبا ما تكون وهمية.
وربما كانت النتيجة المهمة التي تؤكدها قمة واشنطن هي أن الاقتصاد العالمي لا يشبه كعكة واحدة يمكن تقطيعها إلى قطع متفرقة، فهو ينمو بحرية مع إضافة المزيد من الدول لسلعها ورأسمالها وأفكارها.