يعتبر تصديق الولايات المتحدة على اتفاقية ستارت الجديدة التي وقعها في ابريل الماضي الرئيسان الأميركي باراك أوباما والروسي ديمتري مدفيديف يعتبر نتيجة طال انتظارها لمعركة كبرى.
قبل أسابيع قلائل بدا أن مصير هذه الاتفاقية معلق على خيط واه، أما اليوم فإن بوسعنا أن نتحدث عن خطوة جدية إلى الأمام بالنسبة لكل من الولايات المتحدة وروسيا. وإذا حكمنا على الموقف من خلال الحوار الهاتفي بين الرئيسين في 23 ديسمبر، أي بعد يوم واحد من مجلس الشيوخ الأميركي على التصديق على الاتفاقية، فإنهما كانا متفائلين حول احتمالات شراكة متشعبة النطاق بين الجانبيين.
إنني أعلق الآمال على أن هذا سوف يعطي دفعة كبرى للجهود المبذولة للقيام بالخطوة التالية في التحرك نحو عالم خال من الأسلحة النووية وفرض حظر تام على كل الاختبارات النووية.
وفي التحرك الأخير ألقى الرئيس أوباما بمصداقيته كاملة وبثقله السياسي إلى جانب التصديق على الاتفاقية. ومن الأمور المشجعة أن عددا كافيا من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين قد وضعوا مصالح أمن بلادهم وأمن العالم فوق الاعتبارات الحزبية.
لم يكن لدى معارضي الاتفاقية قضية مقنعة يدافعون عنها، وهذا هو السبب في أن تأييد الاتفاقية قد تزايد على نحو متواصل، ولعبت في هذا الصدد دورا كبيرا رسائل التأييد التي بعث بها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش ووزراء الخارجية الأميركيون السابقون جورج شولتز وجيمس بيكر وهنري كيسنجر. فهم بتأييدهم اتفاقية وقعها رئيس ديمقراطي قد أظهروا حكمة وشعورا بالمسؤولية. وهذا المثال للشراكة الكبرى مهم بالنسبة للمستقبل.
ولم يكن هذا النجاح دون ثمن، فالرئيس أوباما في غمار سعيه إلى التصديق على الاتفاقية قدم تنازلات يعتد بها للمجمع العسكري الصناعي، فقد وعد بتخصيص عشرات المليارات من الدولارات في السنوات المقبلة لتحديث المجمع النووي الأميركي، الأمر الذي لا يتماشى مع التقدم نحو عالم خال من الأسلحة النووية.
والدفاع الصاروخي لا يزال قضية مثيرة للجدل، فخلال النقاش الذي دار للتصديق على الاتفاقية وضع الكثير من أعضاء مجلس الشيوخ موضع التساؤل صياغة الاتفاقية فيما يتعلق بالعلاقة بين الأسلحة الهجومية والدفاعية التي نقلتها الاتفاقية الجديدة عن الاتفاقية الأولى الموقعة في 1991، وحاول آخرون إفشال عملية التصديق على الاتفاقية بربطها بقضية الأسلحة النووية التكتيكية، بل قضية القوات التقليدية.
ومن المهم للغاية أن هذه الهجمات التي شنها خصوم الاتفاقية تم التصدي لها، ومع ذلك فإن هذه المشكلات تحتاج بوضوح لمناقشتها، فلا بد من أن تكون هناك اتفاقية على الدفاع الصاروخي، وعلى الرغم من أن المفاوضات الشاقة تمضي قدما فيما يتعلق بالأسلحة النووية التكتيكية فإن الحاجة ماسة إلى اتفاق واقعي على مشكلة الأسلحة التقليدية في أوروبا، ولسوف نرى في القريب العاجل ما إذا كانت كل هذه القضايا ستطرح لمجرد الطرح كشاشة عرض للتفوق العسكري، أو ما إذا كان هناك استعداد حقيقي للتوصل إلى اتفاقيات تخفف من العبء العسكري. وهناك أولوية عاجلة الآن للتصديق على الاتفاقية التي تحظر كل التجارب النووية، فالجمود المخرب الذي يهيمن على هذه القضية الكبرى قد دام أكثر من عقد من الزمن، ومن المهم وضع حد لهذا الجمود، وبصفة خاصة من أجل خدمة قضية حظر الانتشار النووي.
إنني أتذكر كم كان صعبا التحرك في هذا الاتجاه في النصف الثاني من الثمانينات، ففي ذلك الوقت أعلنا مهلة زمنية من طرف واحد فيما يتعلق بإجراء تجارب نووية، غير أنه عندما واصلت الولايات المتحدة إجراء الاختبارات النووية اضطررنا للرد على ذلك.
مع ذلك فقد أصررنا على موقفنا المبدئي ودعونا إلى حظر شامل على إجراء التجارب النووية في ظل رقابة دولية صارمة، بما في ذلك الطرق الزلزالية وعمليات التفتيش على المواقع.
وبالفعل فإن هذا المنهاج قد واكبه التوفيق، وفي عام 1996 تم أخيرا التوقيع على اتفاقية حظر التجارب النووية.
وفي القرن الحادي والعشرين غامرت دولة واحدة بإجراء تفجيرات نووية، وهي كوريا الشمالية، ومن الواضح أن التفجيرات النووية هي شيء غير مقبول بالنسبة للمجتمع الدولي والغالبية الكاسحة من الناس.
وفي غضون ذلك فإن اللجنة التمهيدية لمنظمة اتفاقية الحظر الشامل على التجارب النووية قد توصلت إلى نظام محكم للتيقن من إجراء التجارب من عدمه، وهذا النظام يجري تشغيله الآن مع وجود 250 محطة رصد، وهو ما يشكل 80٪ من العدد المطلوب لاستكمال النظام. وقد برهن هذا النظام على فعاليته من خلال رصد التفجيرات النووية التي تقوم بها كوريا الشمالية على الرغم من تأثيراتها المحدودة.
هل ينبغي إذاً ترك الأمور على ما هي عليه والاكتفاء بالمهلة الفعلية المفروضة على القيام بالتجارب النووية؟ لا، لأن الالتزامات التي لا تكون ملزمة قانونيا يمكن انتهاكها بسهولة.