«أمي وأبي، لم أكن أحب الذهاب إلى المعهد، لكنكما أصررتما على الأمر. تعذّبت كثيراً ولم أعد أحتمل. أريد الموت» تلك آخر كلمات كتبتها الصبية شيراز 12 عاماً قبل أن تنهي حياتها شنقاً في شجرة زيتون بمنطقة العلا من ولاية القيروان التونسية..
بينما أرجعت والدتها اسباب الانتحار إلى الظروف القاسية التي كانت تعيشها في المعهد والمسكن التي كانت تسكنه، فالضحية أجبرت على العيش بسكن المعهد الذي يبعد عن منزلها 20 كلم، بجانب المعاملة القاسية من مسؤولي المبيت، والظروف المعيشية بوجود وجبات غذائية متعفنة ونقص بالأغطية مع البرد القارس والاكتظاظ.
ومأساة شيراز ليست حالة نادرة فقد كشف تقرير عن تسجيل 17 حالة انتحار شهرياً أغلبها بصفوف الذكور، وتتصدر شريحة الأعمار «26 - 35» سنة تلك الحالات، وتحتل القيروان المرتبة الأولى بـ 31 حالة شهريا معظمها لأطفال خاصة الإناث مقارنة بالذكور. وسجل العام الماضي 203 حالات انتحار، وهناك 27 حالة في يناير من العام الحالي.
أسباب متعددة
والأسباب للإقدام على الانتحار متعددة اهمها البطالة، والمشاكل الاجتماعية والمالية والنفسية والصحية والشخصية والضغوطات المهنية والمشاكل العاطفية والاوضاع الدراسية الصعبة واليأس ورفض الحياة ومحاولة جلب الانتباه، مفسرا ارتفاع حالات الانتحار في صف الذكور مقارنة بالإناث، لخصوصية الثقافة الذكورية التي تجعل من الرجل غير قابل للفشل او الظهور في شكل الفاشل، او بحكم التنشئة الاجتماعية.
وفسّر الاختصاصي في الأمراض النفسية الدكتور ياسين الهرابي أن تكرار عمليات الانتحار في فترة قصيرة يعبر عن رسالة يريد الشباب ايصالها الى رجال السياسة تدل على حالة اليأس والإحباط التي يعيشونها، حيث كانوا ينتظرون بعد الثورة بارقة أمل إيجابية..
ومن الضروري توعية الشباب بأهمية الذهاب الى عيادات الطب النفسي. ويؤكد المختص في علم الاجتماع عبد الستار السحباني أن ارتفاع عدد المقدمين على الانتحار يعكس حالة اليأس والاضطراب النفسي عموما وتصدع المؤسسة التربوية.
انتحار الشباب
وسجلت ظاهرة انتحار الأطفال 18 حالة كمسألة غير مسبوقة، واعتبر المراقبون أبرز أسبابها، غياب الحوار بين أفراد الأسرة مع الشباب الذين يعانون من حالة اكتئاب بالإضافة لغياب الحوار في الوسط المدرسي مع المربي. وبحسب الخبراء فإن انتحار الشاب يكون عادة نتيجة احساسه بالخوف والفزع وعدم الإحساس بالأمان، او نتيجة لانعدام مقوّمات الحلم..
وإما نتيجة مباشرة للإحساس بعدم الاهتمام به خاصة في المناطق المهمشة والمقصية عن المنوال التنموي وأيضاً الواقع المرير بالأحياء الشعبية والأحياء الفقيرة، حيث تفتقر إلى عديد المرافق الأساسية، وتخلي المدرسة عن وظائفها التربوية وغياب المختصين داخلها، وتطور مختلف اشكال العنف والفقر، وغياب سياسة شبابية واضحة المعالم.
تنشئة اجتماعية
تشير المختصة في الطب النفسي للأطفال بمستشفى الرازي سمية حليم إلى ان سنوات ما بعد الثورة شهدت ارتفاعاً في حالات الانتحار خاصة بصفوف الأطفال والمراهقين ، واعتبرت التقليد من أخطر العوامل المؤدية الى الانتحار لأنه لا يرتبط بعامل واحد بل عوامل عدة محركة للفكرة أو مساهمة في تطورها و محفزة لتنفيذها.