أكد رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في تونس سمير العنابي أن الأملاك المصادرة من عائلتي الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي وزوجته ليلى الطرابلسي والمقربين منهم تبلغ نحو 20 مليار دولار، في حين لم يتم العثور من الأموال المهربة إلى الخارج إلا على 29 مليون دولار كانت في رصيد مصرفي بلبنان على ذمة ليلى الطرابلسي ..
وجرى استرجاعها. وأضاف في حوار خصّ به «البيان»، أن الهيئة تلقت 15 ألف ملف وشكوى تهم بحالات فساد، وأن عدد القضايا الجدية التي يمكن أن نطلق عليها اسم قضايا فساد لا تتجاوز 10 بالمائة، ذاكراً أن جرائم الفساد التي تمت إحالتها إلى القضاء تتعلق باختلاس أموال والتهرب الجبائي والفساد وأيضاً المحاباة عند الانتداب.
وأشار إلى أن ظاهرة الفساد شملت القطاعات ذات المردودية العالية كالطاقة والبترول. وأردف أن ما يحدث ما هو إلا خطوات أولى لمقاومة الظاهرة لأن العملية معقدة جداً وتتطلب اختصاصات كثيرة ومعالجة للفساد جديدة، حتى على المستوى العالمي.
وطالب بمعالجة قضية رجال الأعمال الممنوعين من السفر بتهمة ارتباطهم بالنظام السابق. واعتبر أن الفساد لم يتوقف بعد الثورة لكن شكله اختلف، داعيا إلى ضرورة معالجة الفساد كفكر وعقلية ونمط حياة، مرجحاً أن يحتاج ذلك إلى 30 عاماً على الأقل. وفي ما يلي النص الكامل للحوار..
كم يبلغ حجم الأموال والممتلكات المصادرة في تونس؟
الأملاك المصادرة والتي كانت على ذمة أفراد أسرة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي وزوجته ليلى الطرابلسي والأسر القريبة منهما، وعددهم 120 فرداً، تصل إلى نحو ثلاثين مليار دينار تونسي أي نحو 20 مليار دولار، غير أن ما بيع من الأملاك المصادرة قليل جداً مقارنة بحجمها الحقيقي، وهناك ملاحقة دائمة للأملاك التي قد تكون غير ظاهرة.
كيف تنظر إلى الفساد في عهد النظام السابق؟
كان نظام حكم وحياة في البلاد، ولم يكن فقط فساداً مالياً، وإنما كان مرتبطاً بالفكر والعقلية والعقيدة والسلوك، وبمرحلة تاريخية بعينها، وقد استطاع الفساد أن يصنع لنفسه مؤسسة ورموزاً، ودائرته كانت ضيقة في مستوى عال وتتسع فرعياً، وضمّت إليها الجلّاد والضحية، ضمّت من يحترف الفساد والابتزاز واللصوصية، ومن يريد حماية نفسه وأملاكه، ولم يكن هناك رجل أعمال إلا وأجبر على الخوض في الفساد.
فالمسألة كانت مرتبطة أساساً بنظام سياسي فاسد، و90 بالمائة من المواطنين كانوا مرغمين على الانغماس فيه، والحل إدماجهم ضمن قانون العدالة الاجتماعية.
هل يعني ذلك أن الفساد لم يكن موجوداً قبل بن علي؟
بالتأكيد كان موجوداً، ولا يخلو زمان أو مكان من الفساد، ولكن الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة أكثر جدية في مقاومته، ربما كان ذلك مرتبطاً بعقلية وروحية بناء الدولة الوطنية، قبل أن تشهد البلاد تحولاً في نمط الحياة أثّر في السلوك العام، ثم إن المقارنة بين بن علي وبورقيبة لا تجوز.
الأموال المهربة إلى الخارج
وماذا عن الأموال المهربة إلى الخارج؟
رغم كل ما قيل ويقال، فالدولة لم تستعد منها غير مبلغ 29 مليون دولار كانت على ذمة ليلى الطرابلسي في مصرف لبناني، وكان من السهل استرجاع المبلغ عبر القضاء، نظراً للعثور على وثيقة بذلك في قصر قرطاج بعد الثورة، يبدو أنه لم يتم الانتباه إليها قبل الفرار إلى الخارج.
هل من الصعب استعادة بقية الأموال؟
ملاحقة الأموال المهربة ليست أمراً بسيطاً، نظراً لوجود عصابات دولية متخصصة في التهريب، وبعض الدول ليس من مصلحتها أرجاع الأموال المهربة إليها، وحتى في حالة الكشف عن بعض الحسابات فالإجراءات القضائية تتطلب وقتاً طويلاً، ولكنني مقتنع بوجود مبالغ كبيرة تم تهريبها إلى خارج البلاد، ويبقى السؤال أين هي؟ وكيف تستعاد؟ وهذا أمر لا يهم تونس وحدها وإنما تعاني منه كل دول الربيع العربي.
وما الحل لاستعادة تلك الأموال في حال وجودها؟
استرجاع الأموال المهرّبة يجب ألا يقتصر على رفع القضايا أمام المحاكم الوطنية والدولية بل يجب اللجوء إلى المعاهدات والمنظمات الدولية وتفعيل الاتفاقيات حتى نخطو خطوة مهمة نحو تحقيق الأهداف.
وماذا عن القضايا المعروضة لديكم حالياً؟
الهيئة تلقت نحو 15 ألف ملف وشكاوى تهم بحالات فساد، وبعد الدراسة والبحث والاستقصاء وجدنا أن عدد القضايا الجدية لا يتجاوز 10 بالمائة، بينما الأخرى كيدية أو وهمية، وهناك قضايا مرتبطة بروح التشفي والرغبة في الانتقام.
وماذا عن طبيعة القضايا والملفات؟
إن جرائم الفساد التي تمت إحالتها للقضاء تتعلق باختلاس أموال والتهرب الجبائي والفساد وأيضاً المحاباة عند الانتداب، وتتفاوت خطورة الملفات حسب القطاعات المعنية وأهميتها، وهناك نظرة عمودية لمجالات الطاقة والنقل والقطاع العقاري والفلاحة، وهناك أفقية كالجمارك والجباية والقطاع المصرفي والأخير يعتبر ملفاً مهماً جداً، وضغط على القائمين بأموره لتمكين بعض الأشخاص من الاستفادة من عدم دفع فوائض القروض أو قد يصل الأمر أحياناً إلى فسخ الدين نهائياً.
رجال الرئيس
يبدو ملف رجال الأعمال المحسوبين على النظام السابق شائكاً؟
فعلاً، ففي البدء بلغ عدد رجال الأعمال الممنوعين من السفر بسبب صلتهم بالنظام السابق نحو 400، وقد أثّر ذلك في الاستثمار والإنتاج، وكان ضرورياً البحث عن حل مرض للجميع، رجل الأعمال والمجتمع والدولة، وأعتقد أن القضاء يحتاج إلى ثورة من داخله ليكون أكثر نجاعة وسرعة في الحسم في الملفات الشائكة.
ومنها هذا الملف الذي لا يزال يؤرق الحكومة والمجال المالي والاقتصادي عموماً، لأنه ليس من مصلحة أي طرف تجميد نشاط رجال الإعمال، ومنعهم من السفر ليس حلاً، والسجن لا يفيد، وكان بالإمكان حل القضية لو تم تفعيل قانون العدالة الانتقالية.
وهل صدرت أحكام؟ وهل هناك ملفات تم إعدامها؟
نصف القضايا تم الحكم فيها قضائياً، وهناك ملفات قديمة تمّ تهريبها وإعدامها من قبل الحكومات السابقة، وإعدام الملفات الخطيرة أمر طبيعي ووارد ويمكن أن نعتبر عدم إتلافها أمراً غريباً، ولدينا معطيات عن جزء كامل من إدارة تم إحراقه لإتلاف الوثائق والملفات الموجودة داخله.
وما هي آفاق نجاح التجربة؟
ما يحدث مجرد خطوات أولى لمقاومة الظاهرة لأن العملية معقدة جداً وتتطلب اختصاصات، فمعالجة الفساد مسألة جديدة وحتى عالمياً.
والاستراتجية الأولى للمكافحة هي خارطة طريق بإمكانها أن تساعد على مقاومة الظاهرة.
الفساد بعد الثورة
كيف ترون تفشي ظاهرة الفساد بعد الثورة؟
شهدت الفترة التي تلت الثورة تزايداً ملحوظاً في عدد الجرائم بسبب ضعف الهياكل الأمنية والنقابية، وفي المقابل تقلصت جرائم الفساد المتعلقة بالصفقات الكبرى على غرار الصفقات العمومية تبعاً لاندثار عصابة لصوص النظام السابق.
وكشف مسح في ثلاث دول شهدت انتفاضات الربيع العربي هي مصر وتونس واليمن، أن مستوى الفساد زاد خلال العامين الماضيين، وبحسبه فإن 80 بالمائة من التونسيين يرون ارتفاع نسبة الفساد، مقابل 64 في المائة بمصر و46 في ليبيا. وأهم العوامل التي أدت لتفاقم الفساد بتونس في التسليم بالرشوة كظاهرة مجتمعية متسامح معها..
وعدم قيام أجهزة الرقابة بدورها أو تفعيل القوانين وغياب الشفافية والحوكمة الرشيدة في المؤسسات، وإحساس المواطن العادي أن يد الدولة ارتخت، والشخص لا يهتم إلّا بمصالحه الخاصة في غياب المشروع الجامع، وبات المواطن يحتاج إلى ما يفوق إمكانياته، ونتيجة الاستسهال يكون اللجوء إلى الفساد.
وما الحل لمواجهة الظاهرة؟
الوصول إلى نتيجة حتمية للحد من انتشار الفساد يتطلب كأقصى تقدير 30 عاماً، مثلما كان الحال في بلدان مثل سنغافورة وماليزيا، والتي تمكنت خلال تلك السنوات من تقليص حجمه، والقيمة المالية للفساد تقلصت في تونس منذ الثورة، وخاصة العمليات المشبوهة التي تتم عبر الصفقات العمومية الكبرى.
وعلينا أن نسعى إلى تغيير العقول أولاً، ومقاومة الفساد ليست مهمة هيئة أو منظمة، وإنما مسألة تربوية وتعليمية وثقافية وإعلامية، قبل أن تكون أمنية أو قضائية، والفساد مرتبط بالاقتصاد وبالعمل والاستثمار والإنتاج والأسعار وطريقة العيش.
مواجهة السلطة
حدثنا عن الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد؟
الهيئة أنشئت بمرسوم في 14 نوفمبر 2011 تنفيذاً لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لعام 2003 وصادقت عليها تونس عام 2008 مع بعض التحفظات لم تعد قائمة بعد الثورة، وهي اتفاقية تلزم الدول الأعضاء بإنشاء هيكل مستقل للمكافحة، ليست تابعة لإدارة أو حزب، ومنفصلة عن السلطة التنفيذية، غير أن القبول بفكرة وجود جهاز لمراقبة الدولة من الأمور الصعبة في مجتمعاتنا، وأغلبية القضايا التي نتلقى ملفاتها يتقدم بها أشخاص عاديون ضد الدولة ومؤسساتها.
هل يعني ذلك أنكم ستواجهون السلطة؟
نعم، ونحن نواجه الدولة لنحافظ على مكاسبها، وعلى شفافية العمل في صلب مؤسساتها من خلال جهاز مدني هو الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، ولدينا أدوات قانونية كاملة، وبموجب القانون يتم مدنا بكل المعلومات والمعطيات التي نطلبها، والهيئة لديها تنظيمات قانونية عدة منها قانون الكسب غير المشروع، وقانون النفاذ للمعلومة، وقانون حماية المبلّغين، وآليات قانون التصريح بالمكاسب.
وجميعها أجهزة خاضعة للرقابة، ونسعى حالياً لأن يكون لنا جهاز زمني خاص، إضافة إلى المجلس القضائي الذي تم تأسيسه، ويعمل حالياً على النظر في قضايا الفساد، وهناك هيكل تنسيقي ضمن رئاسة الحكومة يتم العمل معه من أجل ألا تتشتت الجهود.
تشكيل مجلس الهيئة
يتكون مجلس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد من ممثلين عن الإدارة التونسية وهياكل عن المجتمع المدني وممثلين للقضاء إلى جانب مجلس الوقاية والتقصي، والذي سيقتصر دوره على مواصلة دراسة كافة ملفات الفساد وإحالتها على القضاء، ودور الهيئة سيتحول إلى دور وقائي بعد انطلاق العمل بالعدالة الانتقالية..
والتي ستنظر على غرار حقوق الإنسان في الجانب المتعلق بقضايا الفساد العالقة والمرتبطة بالنظام السابق، وذلك بهدف تسريع إجراءات النظر فيها وباعتبار أن بعض القضايا تتطلب سنوات عدة حتى يصدر القضاء فيها أحكاماً، ومن الضروري أن يقع الحسم فيها في أسرع وقت. وأقر رئيس الهيئة بعدم وجود أية عراقيل تعيق سير أعمالها سوى عراقيل بيروقراطية أكثر منها سياسية.