وصف وزير الداخلية الأردني الأسبق سمير الحباشنة المشهد السياسي الأردني الحالي بالملتبس والمركب، تتشابك فيه معطيات داخلية وخارجية لترسم تحديات واسعة التأثير والنطاق.وتمنى الحباشنة على "المعارضة عامة أن تكون مواقفها أمام أي دعوة محتملة لحوار وطني أكثر إيجابية". أما في المشهد الاقتصادي فوضع الحباشنة من خلال حوار مع "البيان" .

وصفة من 4 بنود لأنعاش الاقتصاد اولها الغاء كل الهيئات والشركات المستقلة التي تثقل موازنة الدولة، والعمل على توطين رأس المال العربي المقيم بين ظهرانينا وتحفيزه لتأسيس شركات قابضةوإحياء فكرة جواز السفر الاستثماري، وتوجيه مال الدعم الخليجي نحو مشاريع استراتيجية تنتظر التنفيذ منذ سنوات.

وتالياً الحوار

يواجه الأردن اليوم عدة تحديات داخلية وخارجية وفق قراءتك ما هي خريطة المشهد السياسي الذي تقع المملكة في وسطه؟

المشهد السياسي مشهد ملتبس ومركب، تختلط به معطيات داخلية بملفات خارجية لترسما معاً تحديات واسعة التأثير والنطاق.

داخلياً، هناك انقسام حول العديد من القضايا، وأبرزها ملف الإصلاح بين من يعتقد أنه يسير بخطى معقولة وثابتة من جهة، وبين من يرى أن ما تم مجرد مجموعات شكلية لا يؤدي في النهاية إلى إصلاح حقيقي وجاد.

وعلى أرضية ذلك يبرز الخلاف على قانون الانتخابات والأحزاب وغيرها من التشريعات، وهناك بطالة شديدة، وجيوب الفقر تتسع.

كما يختلط الأمر في الشق الداخلي بالوضع المالي الصعب، حيث خزينة الدولة تعاني عجزا كبيرا، وشركات التعدين هذا العام بالذات كانت نسب التصدير في مادتي البوتاس والفوسفات أقل بكثير من الأعوام الماضية. ويدخل على المشهد الاستقواء على القانون، ما أدى الى لجوء المواطن لطلب الحماية، فنمت واتسعت الانتماءات الفرعية الجهوية والعائلية والمناطقية على حساب الهوية الوطنية.

لذا المشهد الداخلي مشوش ويصطدم بمشهد خارجي صعب، والحرب في سوريا لها ارتداداتها محليا من حيث اللاجئين بعد أن دخل مئات الألوف منهم الى الأردن، ما يعني ذلك متطلبات صعبة.

توفير الحد الأدنى من المتطلبات الحياتية محلياً ولأعداد اللاجئين السوريين صعب فما المطلوب عمله؟

أنا لا أتخيل الصيف الاردني وكيف ستكون مسألة المياه وخاصة في مدننا الشمالية في كل المملكة لكن بالذات المدن الشمالية.

وما يزيد من خطورة التحديات نية الحكومة رفع أسعار سلع إستراتيجية مثل الكهرباء التي من المنتظر أن ترتفع 14 %، وهذا يأتي في ظل ضعف المساعدات العربية. والشأن السوري نخشى من تداعياته.

وماذا عن ملف القضية الفلسطينية، والتعنت الإسرائيلي لحقوق مواطنيها ورفض العودة، والتهديدات التي تواجه المسجد الأقصى والمقدسات في المدينة بشقيها الإسلامية والمسيحية؟

وهي مسؤولية خاصة بالأردن ووردت نصا في اتفاقية السلام الاردنية الإسرائيلية "وادي عربة" وإعلان واشنطن الذي وقعه الملك الراحل الحسين بن طلال برعاية الرئيس الأميركي آنذاك بل كلنتون، ومؤخرا وقع الرئيس الفلسطيني محمود عباس اتفاقية حماية القدس مع الملك عبدالله الثاني، ما يعني اعترافاً فلسطينياً بحق أردني في الدفاع عن الأقصى، وباقي المقدسات الإسلامية.

اتسع الشرخ بين الرسمي والمعارضة اليوم فأين تقف في هذا المشهد؟

الأهم محاولة معالجة ما وقع من أخطاء، وأتمنى من المعارضة عامة أن تكون مواقفها أمام أي دعوة محتملة لحوار وطني اكثر إيجابية.

والحركة الإسلامية أسهمت بسلبية إبان حكومة معروف البخيت الأخيرة برفضها المشاركة في أي حوار.

الاستثمار والعقبات

الحديث عن الاستثمار في المملكة لا يتوقف ومع ذلك لايزال الكثيرون يقولون إن هناك معيقات كثيرة؟

نعم وأبرزها منطق جدوى الاستثمار، وأعتقد رغم الحديث الذي لا ينتهي عن تشجيع الاستثمار الا ان قرار ادارة الاقتصاد لايزال يعاني بيروقراطية ربما لا مثيل لها في المنطقة، والخطوة الأولى يجب أن تتم عبر العمل على توطين رأس المال العربي المقيم بين ظهرانينا من عراقي وسوري وفلسطيني.

وإحياء فكرة جواز السفر الاستثماري وتحفيز رأس المال العربي المقيم لتأسيس شركات قابضة تعنى بالمشاريع الصناعية والزراعية والخدمية التي تخدم الاردن وتخدم دول الجوار العربي وبالذات العراق. ولا يوجد أي سبب لعدم منح تراخيص لمصارف جديدة الذي من شأنه تعزيز تنافسية الائتمان والتمويل وخلق فرص عمل لشبابنا وبالذات خريجي الجامعات والمعاهد العليا.

والاولوية الآن يجب أن تنصب على توجيه المال الذي قدمه الخليجيون لدعم الاقتصاد الاردني "خمس مليارات" للبدء في مشاريع استراتيجية تنتظر التنفيذ منذ سنوات، مثل الصخر الزيتي الذي يمكن ان تتشكل مساهمة عامة يكون للحكومة جل اسهمها في المرحلة الاولى، ومنحها امتياز استخراج الصخر الزيتي على مستوى البلاد .

كما هو الحال بالنسبة لبدايات تأسيس شركة الفوسفات. إضافة الى استخراج النحاس والموجود بكميات اقتصادية كبيرة في الطفيلة والمعشق مع الذهب. ايضا عبر شركة مساهمة عامة يكون للحكومة جل اسهمها.

والقرار الذي اتخذته الدكتور النسور مؤخرا حول انهاء عقود شركات الجنوب ان يستتبع بقرار تنشأ بموجبه تعاونيات زراعية وتوزع تلك الاراضي على أهالي المنطقة كوحدات زراعية كما هي تجربة وادي الاردن وتوجيه هذه التعاونيات للزراعات ذات اولوية بالنسبة للاحتياجات المحلية. ولا بد من دراسة وتحديد الميزة النسبية لكل محافظة وتوجيه صندوق المحافظات نحو هذه الميزات النسبية.

وعلى صعيد الاقتصاد المنزلي، فالحكومة مطالبة بتوعية الأسرة الاردنية بأساليب قيادة مداخيلها بإحياء الصناعات الغذائية والتراثية من اجل تعزيز الاكتفاء الذاتي للاسرة الاردنية وبالذات في الارياف والبوادي والمخيمات.

أعتقد أن الدولة بحاجة الى بسط سيطرتها على اسعار مستورداتنا وبالذات مستلزامات الانتاج لقطاع الصناعة والزراعة للتأكد من ان مستوى الارباح المتحقق هو مستوى عادل ومعقول.

ويجب على الحكومة ان تسير قدماً في قانون الضريبة التصاعدي على الافراد والمؤسسات لأن تتحصل على نسبة لا تقل عن 25 % من اجمالي مبيعات شركات التعدين كرسوم انتاج وخصصتها. وعلى الحكومة ان تضع نظاما ضريبيا صارما يحول دون التهرب الضريبي الذي يتجاوز مليار دينار سنويا.

كل هذا الحديث ربما يتعارض مع بعض المعطيات ومنها ما يشير اليه الاقتصاديون على سبيل المثال حول جدوى المؤسسات والهيئات المستقلة.

هذا صحيح، على البرلمان والحكومة اتخاذ قرار جريء لإلغاء كل الهيئات والشركات التي شكلت تحت مسميات مختلفة التي تنوء الموازنة العامة للدولة تحت حجم الانفاق الهائل لها، من دون أن ترفد الخزينة ماليا اضافة الى الارباك في القرار الاقتصادي والخدمي لازدواجية من يأخذ القرار وتضاربه علينا في الوزارات وتلك الهيئات.

وهناك اجراءات كثيرة وعملية يمكن اتخاذها فقط يحتاج من يتخذها ويمكن ان تعيد الحيوية للاقتصاد الاردني وتخفف من عجزه واذا اردت ان اكون متفائلا يمكن ان نحقق الكفاية بحده الادنى.

هل أنت متفائل بمستقبل الاقتصاد الوطني في المدى المتوسط؟

الخطوة الأولى تبدأ بشقين، الأول إننا بحاجة الى حوار وطني حصيف يضم كل القوى الحية في الدولة الاردنية قوى سياسية في المعارضة والموالاة وقوى اصلاحية ومؤسسات مجتمع مدني مع الحكومة. حوار حقيقي توضع به كافة المسائل الساخنة والعالقة على الطاولة.

وذلك مطلوب ابتداء لأن المرحلة تحتاج الى تعضيد وطني بمشاركة الجميع فيضع كل فصيل وكل من له فكر واثر في الحياة العامة كل خلاف جانبا لنبدأ بحوار لنصل فيه الى اتفاق مرحلي لخمس سنوات، أو ميثاق وطني وجبهة تضم أطراف المشروع الوطني على برنامج الحد الادنى التي توقع على هذه الوثيقة.

والمطلوب ان تقود المرحلة شخصيات مميزة لا علاقة لها بشبهة فساد وما شابه المرحلة السابقة من سوء، وحكومة وفاق وطني ومرجعية وطنية، وان يكون لهذه الحكومة مصداقية لدى الأردنيين. وعندما يكون للمسؤول مصداقية فإن الأردنيين يمكن أن يتجرعوا بعض الألم وصولاً إلى خروج الأردن من عنق الزجاجة.

الملف السوري

أنت أحد الشخصيات الاردنية التي تحاول الوقوف في منطقة وسط في الملف السوري.. كيف تنظر إلى هذه الأزمة التي يبدو أنها أخذت من الأردن كل جهد؟

أعتقد أن الصراع في سوريا صراع إقليمي دولي على الارض السورية وقوده الدم السوري. وبالتالي أظن أن أي عربي تسري به دماء العروبة سواء في موقع رسمي او معارضة عليه ان يدعو الى تجاوز مرحلة تحميل المسؤوليات لهذا الطرف أو ذاك في سوريا.

مضى على الحرب اكثر من عامين ولم تحسم لأي طرف، وبتقديري انها لن تحسم على المدى المنظور، ما دام هناك تزويد وتعزيز لمؤسسة الحكم وتزويد وتعزيز للمعارضة، من أطراف خارجية دولية واقليمية.

 رافعة إضافية

 حول عقد اجتماعات أصدقاء سوريا في الأردن مؤخرا وهل من حل قريب للأزمة السورية قال وزير الداخلية الأسبق سمير الحباشنة: نأمل ان تكون الاجتماعات وهي مقدمة لمؤتمر جنيف 2 فرصة لجمع الحكومة والمعارضة والاطراف الاقليمية والدولية وصولا الى وقف الحرب والاتفاق على مرحلة انتقالية بين كل الاطراف، يتم بموجها تشكيل حكومة مؤقتة ووضع دستور تعددي ديمقراطي للبلاد واجراء انتخابات برلمانية حرة وبإشراف عربي ودولي وصولاً الى انتخابات رئاسية بالطريقة نفسها. ومؤتمر أصدقاء سوريا نأمل أن يكون رافعة إضافية نحو الحوار والحل السلمي ووقف الحرب.