أصابت تأثيرات العولمة كل قوى الجهل في مقتل، وجاءت شديدة الوطأة خاصة على الأقل تعليماً أو من يجيدون مهنا تقليدية فقط ،كإصلاح الآت التسجيل والراديو "الترانزستور" التي لم تعد مجدية للتعامل مع تعقيدات التقنيات الرقمية "الديجتل" .

فالتطور العلمي والتقني والتقدم الذي دخل كل تفاصيل حياتنا ،بقدر ماجعل حياة البعض سلسة ومرنة وسهلت تعاملاتهم اليومية ، ودرت عليهم دخلاً ، إلا أنه شكل تهديدا لآخرين في مصادر رزقهم وحرفهم التي اعتادوا عليها أو التي لا يجيدون سواها خاصة في البلدان الفقيرة .

واليمن كبلد فقير واجه تأثيرات العولمة بشكل كبير وتحديدا مع أصحاب المهن التقليدية التي لم تعد مجدية مع تعقيدات التقنيات الرقمية، ويحيى الصيقل مهندس وعمله في اصلاح آلات التسجيل والراديو حيث يقضي معظم وقته داخل دكانه في مدينة القاعدة - جنوب صنعاء عاكفاً على عمله ، الأ أنه وجد نفسه أخيرا صاحب مهنة مهجورة القى بها الزمن في زوايا النسيان ،والسبب تقنيات "mp3 " والآجهزة الرقمية التي أخرجته من حانوته بحثاً عن عمل آخر.

فالمكانة التي كان يحظى بها يحيى في نظر زبائنه والتي ترسخ صورة المهندس الماهر لديهم ،كلما شاهدوه يخرج أحشاء الة التسجيل أو الراديو ويتعامل معها بمهارة ،تلاشت تماماً لأنه بات يبحث عن حرف بديلة .وبعد أن هجر زبائنه محله المشهور في المدينة، هجر بدوره ذلك الدكان الذي يقول أنه استهلك عمره وشبابه على غفلة من أمره ، فالمكان الذي كان يمارس فيه مهنته المفضلة ويستعرض مهاراته فيه :

 لم يعد أحد يقصده بعد انتشار الـ" mp3 "زهيدة الثمن وقليلة الكلفة .ويقول مضيفاً ،المهنة التي بقيت اسيراً لها لم تعد تؤمن حياة كريمة ولم تحصنه من تقلبات الزمن وكل ما ورثه منها بعد سنوات طوال هو مرض السكر .

وتعود قصة بداية علاقته بهذه الحرفة إلى طفولته عندما ظل إلى جوار والده تغريه اكتشافات محتويات الصندوق العجيب، وهي كعمل ،أقعده معتكفاً داخل حانوت صغير مطمئناً لما يحققه منها من عوائد مالية قائلاً : " لقد كانت تدر علي رزقاً وفيراً ولم أكن أفكر أن شيئاً جديداً سيأتي ليجعل منها مجرد ذكرى من الماضي السيئ .

لكن الرجل الذي ظل منزوياً في معمله خرج من عزلته بحثاً عن عمل آخر أو لتعلم حرفة جديدة ،وهويقول مازحا لكنه بالكاد قد يتقنها ، خاصة في حالته التي يبدو عليها بجسده الهزيل وفم من غير أسنان بسبب مرض السكر كما يقول ،ويبدو اليوم أكبر من عمره بكثير لكنه أكثر إصراراً على تدبر عيشه ومعاشه .

وحدهم الذين يتذكرون هذا الوجه المهدود ويعرفون كبرياه أيام مجده ورواج الطلب على مهنته عندما كانوا يتزاحمون عليه من أجل إصلاح آلات التسجيل أو الراديو يترددون اليوم على صاحبه للسؤال عن حاله فيرد عليهم بإجابة مشوبة بالخجل:" ماشي الحال "ربما لأنه أصبح يبحث عن زبائنه ممن لديهم آلات قديمة ، أو لإصلاح مولدات الكهرباء التي بدأ يمتهنها من جديد ،أما الجهد الذي يتطلبه إصلاح الــ mp3 كما يقول : ما يجيب همه ويفوق ثمنه ، أو أنه لا يعطب ، ما أضطره إلى تعلم حرف جديدة على الأقل لتخفف عنه داء السكري وتجعله يعيش حياة مستورة.