تعيش المملكة المغربية على وقع ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة ،ما أدى إلى ارتفاع وتيرة الاحتقان الاجتماعي خلال الشهور الاخيرة، في ظلّ تراجع معظم المؤشرات المالية والاقتصادية والاجتماعية.
وعدم قدرة الحكومة على إقناع فئات واسعة من المجتمع بجدّية سياستها لمحاربة الفساد واقتصاد الريع كما تتهمها المعارضة، ولمقاربة المشهد الاجتماعي والاقتصادي وتسليط الضوء على قضايا تؤرق الشباب المغربي مثل الصحة والتعليم والزيادة في أسعار المحروقات والضرائب، أجرت" البيان" حوارا مطولا مع نائب رئيس مجلس النواب المغربي القيادي في حزب العدالة والتنمية الاسلامي ورئيس الاتحاد الوطني للعمال محمد يتيم.
كيف تقيمون الأوضاع الاجتماعية في المغرب ؟
الحكومة الحالية ورثت تركة مثقلة على المستوى الاجتماعي ، وعلى الرغم من المكتسبات التي تحققت في السنوات العشر السابقة على المستوى الاقتصادي ،ما مكن المملكة من السيطرة على التوازنات الماكرو- اقتصادية ،وتحقيق نسب لا بأس بها على مستوى النمو، إلا أن توزيع عائد النمو بقي مختلا حيث استمرالتفاوت بين فئات المجتمع والمناطق والجهات .
وظهرت آثار ذلك جلية على مستوى التنمية البشرية ومؤشراتها الاساسية المتعلقة بالتعليم ونيل فرص العلاج ماقلل نسبة وفيات الاطفال والأمهات .ووجدت الخدمات الاساسية والبنيات الاساسية نصيبا وافرا من الاهتمام ، وادى كل ذلك إلى إطلاق برنامج طموح سمي بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية .وكان الهدف الأساسي منه مقاومة الهشاشة والفقر، والسعي إلى الارتقاء بمؤشرات التنمية البشرية ليس من خلال دور الدولة ،ولكن من خلال إدماج المجتمع المدني والشراكة معه للنهوض بالتنمية البشرية .
وأضاف يتيم :'هناك معطيان آخران مهمان : الأول ارتفاع مستوى التوقعات الاجتماعية الذي تضاعف مع الربيع العربي. و والاقتصادية العالمية ،والركود الاقتصادي وخاصة لدى الشركاء الاقتصاديين الأساسيين ، فضلا عن تفاقم فاتورة مواد الطاقة المستوردة. ومع كل تلك المعطيات تبين حجم الصعوبات على المستوى الاجتماعي .
حيث ضغطت على الموازنات المالية الكبرى ،وأدت الى تفاقم العجز واختلال الميزان التجاري لفائدة الإستيراد على حساب التصدير، وتراجع عائدات العمالة المغربية في الخارج والتي تعتبر من أهم الموارد الداعمة لميزانية الدولة الى جانب عائدات الفوسفات والسياحة .
ولا يمكن مواجهة كل تلك الاوضاع دون التحكم في الموازنة. وجذب الاستثمارات الأجنبية ونيل الثقة في الاقتصاد الوطني تمر بالضرورة عبر التحكم في تلك التوازنات ،وهو ما تسعى اليه الحكومة من خلال ما جاء به قانون المالية حيث سعى الى المحافظة على جهد الدولة في مجال الاستثمار ومن جهة أخرى في تعزيز التضامن الاجتماعي.
كيف تنظرون انطلاقا من هذه المعطيات لمواجهة معضلات الصحة والتعليم ؟
بلاشك ان الحكومة الحالية ورثت تركة مثقلة فيما يتعلق بعدد من القطاعات الاجتماعية وعلى رأسها قطاعا الصحة والتعليم ،وللأسف الشديد ففي ما يختص بالتعليم ، فأن الحكومة السابقة وضعت برنامجا طموحا في مجال إصلاحه سمي آنذاك بالمخطط الاسعافي ، وخصصت له اعتمادات مالية غير مسبوقة، لكن للأسف الشديد فان ضعف قيادة البرنامج وطابعه المركزي وضعف ترشيد الانفاق على مستوى الأقاليم والمحليات ، حكم على البرنامج المذكور بمحدودية النتائج .
والدروس المستفادة من تجربة المخطط هو إشراك المعنيين مباشرة بموضوع الاصلاح اي الاسرة التعليمية ،واعتماد مقاربة تصاعدية تنطلق من المؤسسة بحيث تكون بؤرة الاصلاح ومنطلقه والفاعل الرئيسي فيه . وعلى المستوى الجامعي دعم استقلالية الجامعة وتعزيز دورأصحاب الشأن وربط التكوين بالمحيط الاقتصادي والاجتماعي وتعزيز البحث العلمي ،وتوفير قدرة الجامعات سواء الأهلية منها أوالحكومية لاستيعاب الطلبة من ناحيتي الكم والكيف.
زيادة الأسعار
قامت الحكومة بزيادة أسعار المحروقات ،ورغم الصعوبات الاقتصادية المتواصلة ،تردد أنها تنوي إقرار زيادات جديدة مارأيك؟
أولا أنا لست مخولا للحديث نيابة عن الحكومة ، لكن يمكن القول ان الزيادات الأخيرة في سعر المحروقات ،مكنت الدولة من التقليص النسبي في بعض أعباء صندوق الموازنة "المقاصة "الا ان ارتفاع أعباء ذلك الصندوق تطرح تحديات حقيقية . إذ لا تزال الدولة تتحمل عن كل قنينة غاز حوالي 70 درهما "7دولارات"ولا تزال الدولة تدعم المحروقات والمواد الاساسية كالسكر والزيت.
وأعباء صندوق الموازنة "المقاصة" من العوامل التي تدعم توازن مالية الدولة . والمشكلة أن أعباء الصندوق تكاد تصل الى أكثر من 7 دولارات، والمستغرب حقا أن الدعم الموجه للمحروقات والمواد الأولية ،لا يذهب الى مستحقيه من الفئات الفقيرة .
ومن ثم أصبح اصلاح صندوق المقاصة من الأولويات بل وموضوع دراسة وتشاور بين الحكومة والمعنيين والتوجه العام هو الاستهداف المباشر للفقراء، ورفع الدعم تدريجيا بالشكل الذي يجعل الصندوق يؤدي وظيفته الاجتماعية ،ويخفف من أعبائه المتزايدة على ميزانية الدولة.
في ظل هذه الاوضاع هل تعتقد ان الحل قد يكون في زيادة الضرائب ؟
موضوع الاصلاح الضريبي من المسائل المطروحة على أجندة الحكومة والشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين ولهذا ستنظم في الأسابيع المقبلة مناظرة وطنية حول قضية الضرائب . أما مسألة زيادة الضرائب فهي من الأمور الحساسة بالنسبة للملزمين سواء تعلق الامر بعموم المواطنين او تعلق بالمقاولين فهؤلاء وأولئك ينتظرون إصلاحا ضريبيا.
،في اتجاه مزيد من خفض الضغط الجبائي على المعنيين بالضريبة على الدخل وخفض الضغط الضريبي على الشركات من أجل رفع تنافسية المقاولة، وهؤلاء جميعا معنيون بتوسيع الوعاء الضريبي ،ومحاربة التهرب الضريبي ومن ثم إدماج الاقتصاد غير المهيكل.
نحن كنقابات نعتبر أن الزيادة في الضغط الضريبي على الدخل مضر بالاقتصاد الوطني لانه مساس بالقدرة الشرائية، ومن ثم مساس بالدورة الاقتصادية ،في ظل تراجع الطلب الخارجي حيث يبقى الرهان على الطلب الداخلي أحد المداخل في تنشيط الدورة الاقتصادية،اذن نحن سندافع من منظور اجتماعي لإصلاح النظام الضريبي، وهو يقوم على تحقيق مزيد من العدالة الضريبية من خلال إدماج الاقتصاد غير المهيكل ومن خلال تخفيف العبء الضريبي على الملزمين من العاملين.
عيد العمال
تقترب مناسبة العيد العالمي للعمال ، كيف تحضرون له ؟ وما موقفكم من الدعوة الى مسيرة مليونية لدعم الحكومة ؟
يجب ان نؤكد اننا نحن اولا وقبل كل شيء منظمة نقابية هدفها الأساسي ،الدفاع عن المطالب المشروعة للعمال ومجالات عملها،وهو الملف الاجتماعي والحكومة ليست في حاجة الى الاتحاد الوطني للعمال في المغرب للدفاع عنه . ونحن مناط بنا الدفاع عن العمال ومطالبة الحكومة ،بل والاحتجاج عليها اذا ماادارت ظهرها للمطالب المشروعة والمعقولة والقابلة للاستجابة ،ناهيك ان كانت هناك التزامات حكومية سابقة واتفاقات سابقة لم يتم الالتزام بها ،
لذلك ستكون مناسبة الأول من مايو، فرصة للتأكيد على أهمية ملف المطالب وفي مقدمتها الاعتداء على الحريات النقابية وتطبيق ما تبقى من اتفاق 26 أبريل 2011 .
والمسألة الثانية إننا قررنا في الاتحاد الوطني للعمال ان تنظم احتفالات هذه السنة بطريقة عادية، ولا نريد ان تكون بمثابة رد فعل على تحرك نقابي او على مسيرات أخرى ،لأننا نحترم حق النقابات الأخرى في التظاهر والاحتجاج ما دام ذلك في حدود الدفاع عن المطالب المشروعة والمعقولة للعمال،ولا نريد ان يتحول العمل النقابي الى قنطرة يتم العبور عبرها لتحقيق أهداف حزبية أو سياسية ضيقة ،سواء من جهة المعارضة او مساندة الحكومة.
،وان لا يتحول الى مجال استقطاب. ولذلك نحن بقدر ما شجعنا المبادرات الشبابية التي تنم عن تزايد الاهتمام بالشأن العام، قررنا ان يبقى الإطار العام لاحتفالاتنا عاديا ،اي اجتماعيا دون ان يعني ذلك ان نكون غافلين عن الدينامية السياسية العامة، ولا ان نغفل ما يحاك ضد جهود الاصلاح من مؤامرات، لأننا ببساطة كعمال نكتفي بنارها ،خاصة على مستوى الادارة.
حيث توجد بعض الجهات التي تسعى إلى إفراغ مبادرات الاصلاح من محتواها ، لذلك فأن الحاجة ماسة إلى وجود نقابة وطنية راشدة من جهة، ومناضلة تتصدى للفساد والمفسدين على جميع المستويات من جهة أخرى.
ضمان صحي
اعتبر يتيم أن التحدي الأكبر في قطاع الصحة هو العمل على تعميم التغطية الصحية الإجبارية من خلال برنامج المساعدة الطبية الذي سيشمل 8 ملايين من ذوي الدخل المحدود فضلا عن اجراءات تستهدف خفض أسعار مئات الأدوية وتبقى تطوير الخدمات الصحية وشبكات العلاج ورفع نسبة التأطير وتقريب الخدمات الصحية الأساسية من الملفات المفتوحة التي تطرح تحديا أكبر في مجال تحقيق العدالة الصحية .
