أكد أستاذ الآثار الإسلامية عميد كلية الآثار في جامعة القاهرة، الدكتور محمد حمزة الحداد، أن الآثار الإسلامية والفنون المعمارية الإسلامية من أكبر الشواهد على حوار الحضارات.

مشيراً إلى أن الكنوز الأثرية العربية تواجه مخاطر الحرب والإهمال، مشيداً في السياق ذاته بالتجربة الكويتية في المحافظة على الآثار، داعياً مختلف دول العالم العربي لاتباعها. وقال في حوار خص به "البيان": إن الآثار الإسلامية صنعت الحضارة في أوروبا وتملأ متاحفهم وشوارعهم وأكبر دليل على هذا الأندلس صاحبة الحضارة العربية.. وإلى نص الحوار:

ما هو مفهومك المحدد للتراث الحضاري الإسلامي؟

هو نتاج الحضارة في جميع ميادين النشاط الإنساني، ويتضمن الفكر والعلم والأدب والفن والمعمار والثقافة والآثار وغير ذلك من شتى جوانب الحياة الإنسانية، ولابد أن ننظر إلى المجالات المادية الثابتة من العمائر الأثرية والمنقولة من التحف الفنية، والتأكيد على الوحدة الفنية التي جمعت بين المواد المتنوعة وهناك فرق كبير بين التراث والآثار؛ فهناك التباس بين الاثنين.

فالأثر هو ما مضى عليه زمن يزيد على 500 سنة، وينقسم إلى قسمين إسلامي وقديم ولكل أقسامه وفتراته التاريخية ويتمثل في المباني سواء كانت للسكن أو للدفن أو للمراقبة أو الدفاع أو لإقامة الشعائر الدينية وكذلك في العملات والأواني والأدوات ويدخل من ضمنها الكتابات القديمة والرسوم الصخرية وغير ذلك.

حدثنا عن الآثار الإسلامية وأهمها في البلدان العربية؟

لدينا الكثير منها ولكن قبل حصرها،لا بد أن نقسمها أولا وهي عبارة عن مساجد وحصون وسبل وقلاع ، ففي مصر جامع عمرو بن العاص بالفسطاط في مصر القديمة، وهو أول جامع بعد أن فتح عمرو بن العاص مصر سنة 20 للهجرة"641 ميلادياً"، ويوجد أيضاً مسجد النبي دانيال بالإسكندرية وينسب الجامع إلى أحد العارفين بالله.

وهو الشيخ محمد دانيال الموصلي ويوجد لدنيا أيضاً مسجد الناصر محمد بن قلاوون ومكتوب على لوحته التأسيسية الرخامية أنه بني عام 1318 ميلادياً 718 هجرياً، ويوجد أيضاً قلعة قايتباي بالإسكندرية، وقد أنشأها السلطان الملك الأشراف أبوالنصر قايتباي المحمودي سنة 882 هـ / 1477م، وهي من أهم القلاع على ساحل البحر الأبيض المتوسط.

ويوجد أيضا قلعة صلاح الدين الأيوبي والمعروفة باسم قلعة الجبل، وقد أسس صلاح الدين هذه القلعة على جبل المقطم وأكمل بناءها أخوه الملك العادل عام 1208م وطبعا كان ذلك بهدف تأمين القاهرة ضد الغزوات، وكما نرى أن المساجد كانت دورا للعبادة.

وهنا تكمن أهمية المساجد الأثرية، أما القلاع فكانت للوقاية والتأمين من الغزو وأيضا كانت لعمل مقابر بها لدفن أصحابها.. وبصفة عامة تواجه تلك الكنوز الأثرية مخاطر عدة من الحرب المشتعلة في سوريا أو الإهمال الناتج عن ممارسات خاطئة بدول بعينها.

آثار العرب

وماذا عن الآثار الإسلامية في البلدان العربية كالسعودية والكويت وفلسطين؟

طبعا الآثار الإسلامية في السعودية لا تعد ولا تحصى، وقد وميزها الله بأن جعلها مهد الإسلام فلن ننسى أن بها المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف، وقد قيل إن عمقها الحضاري يعود لأكثر من مليون سنة، وذلك لأنها مهد العروبة والإسلام وملتقى للحضارات وجسر للتواصل الحضاري.

وقد قاموا في العام 1449هـ بحصر الآثار الإسلامية في مكة والمدينة وحفظها، وصولا إلى الاستفادة منها بشكل لا يفضي إلى التعظيم والتقديس، فلدينا بالمدينة مواقع أثرية مثل أحد والخندق وبدر وغار حراء، ومن أهم المواقع الأخرى سوق عكاظ وجبل العرفاء ووادي فاطمة والحجر (مدائن صالح) وهي مسجلة عالمياً ومعها الدرعية التاريخية.. أما عن دولة الكويت فهناك قلعة الكوت والقرية التراثية وقصر السيف العامرو قلعة الزورو جزيرة فيلكا وغيرها الكثير من الآثار.

وأحب أن أشيد بدار الآثار الإسلامية بدولة الكويت، وأتمنى أن يصبح بكل دولة عربية مثل هذه الدار العظيمة لحفظ آثارنا وتاريخينا وهويتنا الثقافية. أما عن فلسطين فهناك الكثير من الآثار الإسلامية هناك أولا المسجد الأقصى المبارك الذي هو القبلة الأولى للمسلمين وثاني مسجد بني لعبادة الله وحده وثالث الحرمين الشريفين .

ومسجد عمر بن الخطاب الذي أقيم على المكان الذي صلى فيه عندما فتح القدس والمسجد الإبراهيمي في الخليل والجامع القديم ومسجد القبة، وهناك بقايا بعض الأضرحة مثل ضريح الشيخ مجاهد وضريح الشيخ شيبان وضريح أم خليل وضريح الشيخ نجم وليست كل الأضرحة لمشايخ وإنما أيضا بعض المجاهدين، وكان هناك الكثير من الآثار حول الجدار العازل ولكنها تهاوت.

حوار الحضارات

الآثار والفنون الإسلامية تؤكد لغة حوار الحضارات ما صحة هذه العبارة؟

هذا حقيقة.. الآثار بصفة عامة هي آية من آيات الله عز وجل الموجودة على ظهر الأرض أو في باطن الأرض وتحتاج إلى تعاون الأثريين والخبراء إلى البحث عنها أو العثور عليها بالصدفة وكم من الآثار العظيمة والمهمة اكتشفت عن طريق الصدفة.

 وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز {ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ} والمقصود بلفظ "قائم" هنا هي الآثار القائمة الموجودة والتي نراها رؤى العين، أما "الحصيد" فهي التي اختفت تحت الأرض بفعل عوامل مثل الزمن أو المناخ أو الطبيعة أو بفعل الإنسان والقرآن الكريم أشار في كثير من الآيات إلى الآثار.

حيث قال تعالى في يس {إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} والمقصود بآثارهم هي الآثار كما قال سبحانه وتعالى {كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون} وكيف سنرجع إليهم إلا من خلال آثارهم واكتشافنا لما خلفوا لنا. وقال أيضا عز وجل {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثاراً في الأرض} أي انظروا إلى آثار الذين تجبروا قبلكم وخذوا منها العبرة والعظة .

وقال جل علاه {فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية}.. والآثار الإسلامية فقد اعتمدت على الحضارات القديمة والسابقة وتعتبر هذه سنة الحياة كما قال الله تعالى {وتلك الأيام نداولها بين الناس} وكما قال عز وجل {وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا} إذن الآثار الإسلامية هي التي جعلتنا نعرف من كانوا قبلنا من المسلمين وما تفكيرهم ومدى حضارتهم وعلمهم..

ولن ننكر أن أصحاب الملل الأخرى ساهمت في هذه الحضارة الإسلامية العريقة، فلقد استفدنا من حضارة الصين القديمة، وهناك حفريات تدل على ذلك وحضارة إيران القديمة الدولة الساسانية والطراز القبطي القديم وطراز العرب قبل الإسلام والمجوس وأصحاب من لا ملة لهم مثل الهند ولقد ارتمت أوروبا في حضن الحضارة العربية والإسلامية.

حماية التراث

بصفتك عضواً في منظمات اليونسيكو والإيسيسكو؛ ما رأيك بالانتهاكات التي تحدث للتراث والحضارة السورية الآن؟

لقد قمنا بعقد اجتماع مطلع أكتوبر 2012، برعاية منظمة الإيسيسكو، بهدف حماية التراث الحضاري والإسلامي والمساجد العتيقة في المدن السورية وإيقاف الاعتداءات الموجهة للآثار السورية التي يعود وجودها إلى أكثر من ستة آلاف عام، واجتماعنا هذا محاولة منا لجذب الرأي العام إلينا للوقوف معنا في محاولات تدخل سريعة لإيقاف الاعتداءات على معالم التراث الحضاري الإسلامي في سوريا.

وحذرنا من تدميرها لأنها بمثابة كنوز حقيقية وغالية القيمة. وبها آثار يونانية ورومانية وكنائس قديمة عتيقة وقلاع صليبية وخاطبنا الجامعة العربية لتقف وقفة جادة، أمام الانتهاكات للتراث الحضاري والتاريخي في سوريا.

قيل إن القائمين على صناعة ترميم الآثار بمصر من اليهود وقيل إنهم يحتكرون هذا التخصص؛ لذلك تضيع المعالم الجميلة لآثارنا ما صحة هذا الكلام؟

إننا نقع بخطأ كبير جدًا لاعتمادنا على شركة مقاولات تأخذ الأثر وترممه، بينما هناك خبراء وأثريون عظماء فلماذا نعطي الترميم لشركات نجهل مصادرها؟ ولماذا لا نثق برجالنا ونعطي أعمالنا لأهل الثقة ولا نعطيها لأهل الخبرة؟.. وأطالب بقانون آثار عربي الموحد" لكل الدول العربية وبعد أن فشلت السوق العربية المشتركة وبعد أن صمتت جامعة الدول العربية لا بد من عمل قانون واحد موحد

. حتى لا يسرقنا اليهود أو يشوه أحد آثارنا العربية والإسلامية، والهند منذ عام 70 لها قانونها الأثري الخاص، ونحن لا قانون حقيقي لدينا، والآثار العربية تتعرّض للإهمال، وطريقة الترميم خاطئة وتطيح بمعالم الأثر الحقيقية، وتقوم على أسس لا تتناسب مع المقاييس العالمية والمواثيق الدولية. وخلال الأيام المقبلة سوف أدعو بعض الأثريين والأكاديميين العرب لحضور ندوة بعنوان مدرسة عربية للحماية والحفاظ والترميم. وستكون بمثابة دعوة لعمل مثل هذه المدرسة التي سوف تخدم الدول العربية كلها.

جدل «آل بيت النبي»

حول الجدل الذي أثاره حديثه عن «آل بيت النبي»، قال دكتور الحداد، بدأ الموضوع عند سؤالي بشأن وجود مقام السيدة زينب الكبرى في القاهرة، فقلت لا صحة لذلك، فجميع الدلائل تؤكد وجود جسدها في البقيع بالسعودية، فحتى عام 500 هجرية كانت منطقة السيدة مغمورة بالمياه. وفي العصر الفاطمي بحثوا عن كل ما يخص «آل بيت النبي» فلم يشيروا لوجود جسدها بالمشهد.

والبعض اعترض على كلامي، كما أنني قلت أيضاً إن جسد الإمام علي بن الحسين مدفون أيضاً بالبقيع، وإن المشهد الموجود بالقاهرة هو مشهد «زيد بن علي» صاحب المذهب الزيدي، أما بالنسبة لرأس الإمام الحسين، عليه السلام، فهذه هي الوحيدة غير المختلف على وجودها بالقاهرة، وهذا بسبب أن والي عسقلان نقلها خوفاً من الصليبيين، وكان ذلك عام 548 هجرياً، والتابوت الذي نقل الرأس موجود بالمتحف الإسلامي في باب الخلق.