اسمه «مقصورة القبطان».. أما هويّته فتشير إلى أنه بات يستحقّ بجدارة لقب أقدم معالم شارع «الحمرا»، والذي اندثرت معظم معالمه «العتيقة» في غياهب النسيان وانهارت فجأة وكأنها لم تكن مضرّجة بحنين لماضٍ بعيد، وذلك بفعل «جرف» التحوّلات ومنطق السوق وغلبة الاستثمار وجشع الاستهلاك والربح السريعين.. وفي اسم المقهى المحفور على باب خشبي «ختيار» تكمن الحكاية التي تعود بداياتها إلى عام 1964.
يومها، كان الشاب اللبناني جورج توريس، ذي الأصول المكسيكيّة، يبحث عن مكان ليجتمع ويسهر فيه مع أصدقائه الطيّارين الأربع، 3 أميركيين ولبناني.. فوقع الخيار على غرفة صغيرة في شارع «السادات» المتفرّع من شارع «الحمرا» الرئيسي.. ومع مضيّ الأيام، زاد عدد زوّار المكان، ما استدعى توسيع الغرفة لتأخذ شكلها الذي لا يزال على حاله حتى اليوم.
طوال أيام الحرب اللبنانية، لم يغلق المقهى أبوابه يوماً، ولكن 16 عاملاً أُجبِروا على ترك العمل لأن الشغل كان Zero «صفر»، بحسب أندريه توريس، الابن الذي لايزال مؤتمناً على المكان والعامل الوحيد فيه منذ وفاة الأب عام 1997.
الحكاية
عند المدخل تبدأ الحكاية، حيث يبدأ الخشب بالارتسام كأيقونة قرّرت أن تأخذ شكل سفينة.. وفي داخل «المقصورة» التي لا تتعدّى مساحتها 80 متراً، كل شيء لا يزال على حاله في نمطه الكلاسيكي القديم، والخشب يطغى على المشهد، بدءاً من الجدران ومروراً بالطاولات والكراسي والحانة، وحتى البنادق المعّلقة على الحيطان وسلال القشّ والقناديل خافتة الإضاءة والمروحة القديمة.
وسط لوحات فنيّة لعازفي «الجاز» وقبعة «الكابتن». ولكن المكان الذي يعبق برائحة لا تشبه غيرها لم ينجُ من «تسلّل» بعض المفردات الغريبة إلى داخله، كطاولة «البلياردو» وعلَمي اسكتلندا وأيرلندا اللذين لا يحمل وجودهما أي دلالات مقصودة، بل «ذكرى من زبونين، ليس أكثر».
كما يوضح «الكابتن» أندريه. أما الموسيقى، فهي امتداد للديكور، وتتنوّع بين الـ«سوفت روكّ» و«الجاز» والـ«بلو» والـ«هيب هوب»، عدا عن الموسيقى اللاتينيّة التي لا مفرّ من الاستماع إليها، و«قليل» من الموسيقى العربية التي تلبّي رغبة البعض في أوقات نادرة جداً!
زواره
غالبية روّاده من الطلاب «الإنكلوسكسون» من ذوي الثقافة الإنجليزية، عرب وأجانب هاربين من «عجقة» الأماكن الأخرى، كما هو حال الكويتية حنان، الطالبة الجامعية في مجال الاتصالات، والتي صودف وجودها في المكان الذي تقصده منذ أربع سنوات برفقة أصدقائها الإماراتيين والأردنيّين، فـ«الأشياء العتيقة تريحني».
وتقول إن في «المقصورة» ما يجعلها تتذكّر بيروت أينما رحلت، تماماً كما هو حال الأردني رمزي الذي حزن كثيراً لإقفال مقهيَي «الويمبي» و«المودكا»، والذي يبدي ارتياحه لأن «مقصورة الكابتن احتلت مكاناً لن تقع عليه عيون كارهي الأمكنة الجميلة».
عشاقه
هنا عاشقان صغيران «تلطّيا» من النظرات المتطفّلة والأسئلة المستقبليّة لسرقة موعد ممنوع على فنجان قهوة، «متل الكبار»، ووجدا في المقهى مساحة خالية من الأحكام المسبقة على فتاة صغيرة مبعثرة الشعر الأحمر، تمسك باليمنى قلماً وورقة وباليسرى سيجارة تتعلّم كيف تشعلها بـ«خبرة»، وإلى جانبها فتى لايزال «يتسوّل» شعراً في ذقنه..
وهناك، طاولة أخرى جمعت فلسطينياً «فتحاويّاً» وصديقته الأميركية التي تدرس العربية بالجامعة الأميركية ودراساتها العليا في العلوم السياسية.. صديقها يتحدث باهتمام عن فلسطين، فلا تدير بالها للنقاشات من حولها، فالمكان يعنيها كثيراً ويساعدها على تعلّم العربيّة التي ستتيح لها تبوّؤ منصب ما في بلادها أو في الحزب الديموقراطي، وخصوصاً أن «57 بالميّة بس بالحكومة عنّا بيعرفوا شوي عربي».. ولا شكوى عندها سوى من «الدخّان».