تواجه شريحة واسعة من الشباب الجزائري الصد من طبقة متحجرة ترفض مغادرة المشهد السياسي بعد خمسة عقود من الاستقلال، ولم يجد السواد الأعظم منهم غير انتهاج العنف الذي قاد البلاد إلى حرب أهلية منتصف التسعينات تسبب بمقتل نحو 200 ألف ضحية قبل أن يقتنع الجميع بعبثية المسار.
الا ان النظام الحاكم في الجزائر واصل احتكار السلطة مستغلا عدم نضج الأجيال الجديدة سياسيا وتهورها بتهديد الاستقرار الاجتماعي والأمني في حال انسحب الجيل الذي ساهم في تحرير البلاد وحكمها لأزيد من نصف قرن تحت لافتة الشرعية الثورية.
وحذرالباحث في علم الاجتماع دكتور ناصر جابي النخبة الحاكمة من الاستمرار في لعبة القفز في المجهول بتجاهلها حق الأجيال الجديدة في التداول السلمي على السلطة، والمشاركة السياسية والقيادية ، فالإحساس بالإقصاء والتهميش للأجيال يدفع الكثيرين لانتهاج العنف المسلح أو اعتزال المجتمع كعقاب ضمني للأحزاب والحكومات لعجزها عن فهم تطلعاتها ورغبتها في التغيير.
واستمرار جيل الشيوخ في الحكم وتجاهل الحق الطبيعي للأجيال الجديدة وتفويت فرصتها للمساهمة في إيجاد حلول لمشاكل عصرها سيدفعنا نحو المزيد من التوتر، ويعجل باعتناقهم أساليب عنيفة قد تكون غير دينية في ظل استحالة التغيير السلمي الذي يطالبون به والذين خرجوا في 2001 بمنطقة القبائل وزحفوا على العاصمة للمطالبة بالحق في عيش كريم وخلق توازن في الخصوصية الثقافية لمكونات المجتمع الجزائري من عروبة وامازيغية .
ومحاربة الفساد وتوزيع الثروة بالعدل بين أبناء الوطن الواحد، بدلا عن الاستمرار في إنتاج الفشل واستنساخه وتفريخه مرة باسم الشرعية وأخرى بداعي الخوف على الاستقرار السياسي والاجتماعي وتارة بذريعة محاربة الإرهاب وتارة باسم عدو وهمي يسميه النظام بالعدو الخارجي.
من جانبه قال الحقوقي خالد برغل أمام شبابنا مسيرة طويلة جدا ليجد نفسه في قلب المشهد السياسي أي بعد نصف قرن من الاستقلال.
فالمجموعة التي حكمت البلاد باسم الشرعية الثورية لا تملك الإرادة السياسية لإفساح المجال أمام الأجيال الجديدة وخاصة التي ولدت بعد الاستقلال وشاخت قبل أن يكون لها أدني حلم بالمشاركة في ادراة شؤون البلاد.
فالرئيس بوتفليقة الذي احتفل الشهر الحالي بعيد ميلاده الـ77 ،كان وزيرا للشباب والرياضة عام 1964 وعمره آنذاك 27 سنة ثم وزيرا للخارجية وعمره 29 سنة ،والرئيس الراحل هواري بومدين حكم البلاد عام 1965وعمره لم يتعد 31 عاما ، ورحل عن العالم في عمر45 عاما.
ونلاحظ ان معدل أعمار الدائرة الأولى الحاكمة في البلاد حاليا ،لا يقل عن 75 عاما، سواء رئيس الجمهورية أو مدير جهاز الاستعلامات والأمن محمد مدين"76 عاما" ورئيس مجلس الأمة عبد القادر بن صالح "69 عاما"ورئيس المجلس الشعبي الوطني "74 عاما" وغيرهم.
دائرة مغلقة
تداول الحكم مجموعة قوية متماسكة ودائرة مغلقة لا يتعدى عدد أفرادها 2000 شخصية مدنية وعسكرية تحكمت في المجتمع ولم لا تسمح بدخول أي عنصر جديد سوى بالانتقاء الطبيعي الضروري بعد فقدانها لأحد عناصرها بفعل البيولوجيا ،بما يساعدها على استخدام الوافد الجديد ان كان من الشباب في تزيين واجهتها أمام الرأي العام.
الا أن عقلية غنيمة الحرب التي تدار بها البلاد ستكون لها عواقب خطيرة جدا إذا لم يفطن النظام الحالي لحقيقة عجزه عن حل مشاكل معاصرة لجيل مغاير.