أسهم الصعود السياسي لفصائل التيار الإسلامي، في إيجاد حالة من الجدل حول مستقبل "الدولة المدنية" التي يواكبها طموح شعبي؛ لتسود حالة قلق حول مستقبل الحكومات الإسلامية التي اعتلت سدة الحكم فيما يسمى بدول الربيع العربي ليبرز الصراع بين الجموح في تطبيق الشريعة وأسلمة الحياة في كل مفاصلها، والطموح الشعبي في بناء دولة مدنية على غرار أقطار إسلامية مثل تركيا وماليزيا وإندونيسيا، ودول عربية مثل الإمارات مثلاً، حيث السماح بحرية العبادة والحياة معًا، دون غلو أو تشدد، وبوسطية سمحة.

ويبقى الصراع مستمرا بين الذين يطالبون بمدنية الدولة التي ترعى حقوق الإنسان وحرية التعبير والعبادة وبين الذين يطالبون بالدولة الإسلامية التي تحكم بالشريعة بكل قواعدها، ما يعني تصاعد الجموح مقابل الطموح.

الدوحة ثورات الجماهير أنهت حقبة ما بعد 11 سبتمبر

أكد الدكتور صلاح الدين الزين مدير مركز الجزيرة للدراسات، ان ثورات الربيع العربي أنهت حقبة مابعد 11 سبتمبر لتبرز حقبة جديدة في العالم كله وليس الشرق الأوسط وحده، بحيث لم يعد حلول الذكرى يشكل محطة تتوقف عندها مراكز الأبحاث وأجهزة الإعلام وصناع القرار حتى في الولايات المتحدة الأميركية. وقد أحدثت ثورات الربيع العربي تغييرات هائلة في كثير من دول المنطقة، وبدأت تتشكل على إثرها ملامح مشهد جديد في العلاقات الإقليمية والدولية، وسوف يذكر العالم ولزمن طويل قادم استشهاد محمد البوعزيزي في تونس على انه يشكل لحظة فارقة في مسيرة الإنسانية والكرامة والحرية والتقدم، وأن تلك الحادثة شكلت بداية حقبة جديدة في علاقات الأمم والشعوب.

علاقة الجوار

وأوضح أن أبرز ملامح المشهد الجديد يتمثل في ظهور قوى الإسلام السياسي كلاعب سياسي مؤثر في معادلات الحكم والمعارضة وفي تشكيل مستقبل المنطقة وعلاقتها بالجوار الإقليمي ومحيطها الدولي. لكن هناك أسئلة عديدة تبرز وهي مرتبطة بالصعود اللافت للإسلاميين بعد الثورات كالسؤال عن مدى إيمانهم بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، ومساهمتهم في الثورة وطبيعة دورهم في الخريطة السياسية العربية مستقبلا؟ وكيف سيتعاطون مع قضايا العلاقات الدولية المتشابكة والمعقدة وغيرها من الأسئلة.

وقال معاذ الخطيب رئيس جمعية التمدن الإسلامي وخطيب جامع بني أمية الكبير في دمشق: إن التعايش الذي يحدث في سوريا لا مثيل له إذ انها تضم أكبر الكنائس وأهم المدارس الإسلامية وقال: انه متى ما اختلف السوريون يعودون للائتلاف والتوافق بحكم أن السوريين شعب متدين ومنفتح على الآخر. ولا يوجد في سوريا فكر تكفيري لأن الحراك السياسي لا يقبل هذا التوجه المرفوض.

لا تراجع

وأكد ان الشعب بعد ان نزف الدماء لن يتراجع عن ثورته رغم محاولات جره الى الطائفية علما ان الأزمة اصلا بين نظام استبدادي وشعبه، وليست هناك أزمة بين طوائف الشعب نفسه. والشعب هدفه العدل والحرية لا الانتقام فالثورة قامت للقضاء على الظلم والفساد .

والشعب السوري خرج من قمقم الوصاية ومستمر في مطالبه بالحرية. وأشار إلى أن انطلاقة الربيع العربي بداية لطريق طويل وليس نهايته، ولفت إلى أن الإسلام يقدم نموذجا راقيا هدفه كرامة الإنسان وليس إذلاله، وهذا ما يجب أن يستوعبه الإسلاميون الراغبون في السلطة أو الذين وصلوا إلى كراسي الحكم. المنامة بعض التيارات الإسلامية لا تمتلك مشروع دولة

الاتفاق على تعريف الدولة المدنية مهم جدا، فهناك تفاوت في التعريف من حزب لآخر حسب ما يتبناه كل تنظيم من أفكار وقناعات خاصة به، .هكذا بدأعضو جمعية الوسط العربي البحريني أحمد سند البنعلي حديثه حول قضية الدولة المدنية، ولا يمكن الحكم مسبقا على قدرة الحكومات القادمة من رحم التيارات الإسلامية والتي اعتلت دفة الحكم في بعض الدول العربية كنتيجة لموجة الربيع العربي، لان نتائج أي نظام لا يمكن أن تبرز في غضون أشهر معدودة بل هي بحاجة إلى سنوات ليبدأ أي مشروع تحمله لإعطاء النتائج". إلا أننا نلاحظ ان بعض الذين يحكمون من التيارات الإسلامية ليس لديهم مشروع حكم واضح .وبعضهم يستند لتوجهين، بأن يبدأ التجربة ويعرف نتائجها شعبيا، وبناء عليها يمكنه التغيير أو المتابعة. أو يستقي فعله المستقبلي من التجارب الأخرى بعيدا عن التوجه الديني الذي يحمله، وبعيدا عن الأطروحات التي أوصلته إلى سدة الحكم.

وبالنسبة للطموح الشعبي في بناء دولة مدنية فإن ذلك يتماشى مع إسلامية الدولة وليس دينيتها، والاختلاف كبير بين الحالتين، فالدول العربية في مجملها ومعها التي تدين بالإسلام، تعيش الحالة الإسلامية في حياتها اليومية، وبالتالي فالدين يتجسد في دواخل المواطن ولا تستطيع الدولة الابتعاد عن ذلك.

والخطأ الاستناد على نهج تيار معين، فالمجتهدون فيه معرضون للخطأ البشري، ويمكن أن ينسب ذلك الخطأ إلى الدين نفسه، ومن غير المنطقي أن نكفر الآخرين نتيجة الاختلاف معهم، فالحقوق قد تضيع وتنتفي المساواة والديمقراطية والمفاهيم السمحة.

واختتم البنعلي قائلاً: الصورة المثلى لإرساء قواعد الدولة المدنية، أن تكون لجميع المواطنين دون تمييز وبمساواة طبيعية بينهم وبقانون يحكم الكل دون تمييز وبوجود عدالة اجتماعية، وانتفاء الفساد الذي ينخر في بنية المجتمع، وان تحكم الدولة بدستور يتوافق عليه الجميع، ولا يكون نابعا من نهج معين، بل يجسد المفاهيم والمبادئ العامة للدين الحنيف، أما التشريع والاحكام فتكون تحت مظلة القانون المستند للدستور".

رفض الوصاية

وتطرق رئيس جمعية الاصالة البحرينية النائب عبدالحليم مراد إلى أن مصطلح الدولة المدنية يستخدم عند البعض باعتباره المقابل للدولة الدينية، فإذا كان المقصود به ذلك وأنه ضد حكم الدين الذي يستند على الشريعة دون غلو ولا تعصب، فإن الطرح ايضاً مرفوض، فنحن لا نرضى إلا بالاسلام الصحيح بعيدا عن التطرف. والدولة المدنية تقوم على الشورى، وتؤسس الاحكام والانظمة والتشريعات في كافة الميادين الحياتية بما لا يتعارض مع الكتاب والسنة ولا يتنافى مع احكام الشريعة التي تتسع للجميع، وبسماحتها تشتمل على جميع نواحي الحياة حتى العلاقة بغير المسلمين وضمان حقوقهم المختلفة.

و"من المهم ان نوضح أننا عندما نتكلم عن الدولة المدنية التي تتوافق مع الشريعة الاسلامية السمحة، فيجب الا تخضع لوصاية أو فكر مستبد لفئة تدعي العصمة، وتفرض رأياً واحداً قد يخالف الدين والمنطق والاعتدال . والمسلم مطالب بقبول الحق والفطرة السليمة ولا يرتضي بغير الله حكما، فالشاهد من كل ما تقدم الايمان بالدولة المدنية حسب مفهومها الصحيح وبالوسطية التي جاء بها الإسلام وسماحته، من غير غلو ولا وصاية على المجتمع. اليمن . . جدل حول المفهوم والصيغة المنشودة

على الرغم من انخراط الكثير من رجال الدين وعلمائه في احتجاجات الربيع اليمني، ثم في العملية السياسية على قواعد التنافس الديمقراطي والتعددية السياسية والقبول بشروط اللعبة الانتخابية، إلا أن ما يصدر عنهم بين حين وآخر من إشارات وتلميحات تناقض تلك التوجهات تصل حد رفض الدولة المدنية تثير مخاوف العديد من الأوساط خاصة بعد أن اصبحت الأحزاب ذات التوجهات الدينية جزءاً من النظام أو على مقربة منه.

والجدل حول الدولة المدنية في اليمن بدأ في وقت مبكر مع ظهور دعوات إلى شكل ومضمون الدولة والحديث عن نظام دستوري وسياسي لدولة مدنية حديثة تقوم على العدالة والمساواة والمواطنة خاصة من قبل شباب الثورة. وقد تصدت الجماعات الدينية لتلك الدعوات محذرة من مخاطرها وحقيقة أهدافها الرامية حسب تلك الآراء إلى علمنة المجتمع اليمني والدول الإسلامية.

التأصيل المرجعي

وبعد الموقف الشهير للشيخ عبدالمجيد الزنداني الرافض للدولة المدنية في يوليو من العام الماضي توالت مواقف رجال الدين حتى غدت توجها للتأصيل المرجعي لموقف الرافضين ولعل اوضحها ما ورد في كتاب فخ الدولة المدنية وعلمنة اليمن لمؤلفه الدكتور إسماعيل السهيلي رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة الإيمان.

إذ يرى المؤلف أن دعاة العلمانية وجدوا أن مصطلح الدولة العلمانية قد أصبح لدى عامة المسلمين مصطلحا سيئ السمعة، لذا اتجهوا إلى مصطلح الدولة المدنية الحديثة وهو حسب المؤلف براق وخادع ويهدف لعلمنة اليمن دولة ومجتمعا عبر ما يسميه بإستراتيجية غربية تتأسس على ما يسميه إدراك غربي للخصوصية الحضارية للمجتمعات الإسلامية التي بمقدورها أن تنهض بمشروع حضاري إسلامي عالمي متميز، ما جعل الدوائر الإستراتيجية الغربية الرسمية تحاول إظهار الإسلام كسبب لتخلف العالم العربي، والتخلي عنه وإقصائه عن الحكم شرطا للنهوض عبر فرض إصلاحات تنويرية وعلمانية في الثقافة الإسلامية السائدة، كما يقرر المستشرق الشهير برنارد لويس أستاذ دراسات الشرق الأوسط. ومنظمات المجتمع المدني تقوم بنشر العلمانية تحت غطاء مواءمة التشريعات اليمنية مع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية الترويج للتجربة التركية التي لها خصوصيتها وقد لا تلائم اليمن.

وذهب النائب البرلماني بحزب التجمع اليمني للإصلاح عارف الصبري إلى أن من يريد ان يجعل مرجعية الاتفاقيات الدولية فوق الشريعة الاسلامية فهو ليس مسلما، فالحاكمية المطلقة والسيادة في الدولة الإسلامية للشريعة ومن يخالفها لن نقبله، وعلى العلمانيين ان يظهروا على حقيقتهم اما مع دين الله او مع غيره، ويقول" انا عضو بمجلس النواب ولا أؤمن بشرعية المجلس لأنه تشريعي والمجلس في بلد اسلامي لابد ان يكون مستندا لشرع الله.

ضعف المعرفة

ويرى الباحث محمد سيف حيدر أن علماء اليمن لهم الحق في طرح مخاوفهم من اللفظ الاسمي لاسيما أنه جاء في سياق المتغيرات التي تشهدها المنطقة العربية والعالم، لكن من ناحية أخرى فأن الحساسية الشديدة منعت البعض من معاركة المصطلح وتفكيكه واستكشافه دون مواقف مسبقة منه، إلى درجة أنهم لم يميزوا بين مخاوفهم وبين ما يعنيه مصطلح وما يرتبط به من تعريف لهوية الدولة، لكن المشكلة تأتي أيضاً من دعاة الدولة المدنية انفسهم فجهازهم المعرفي ضعيف وأدواتهم المنهجية غير متماسكة فلم يستطيعوا نزع الغلالة الغربية عنه وإعطائه حمولة مرتبطة بالتراث العربي الإسلامي. لذا فهناك فهم مغلوط يشترك فيه الطرفان فالذين يروجون أو ينتقدون العلمانية مفهومهم سطحي، والمطلوب خطاب وسطي.

سجال سياسي

يؤكد محمد حيدر أن الاشكال لايرتبط فقط بمدلول مفهوم الدولة المدنية، بقدر ما يرتبط بغياب العدالة والمواطنة والمساواة أمام القانون وانتعاش الآمال المتطلعة إلى وضع ينتفي فيه التمايز الجغرافي والمذهبي وتغيب فيه المحاباة والمحسوبية والفساد المالي والإداري وهي القضايا الأساسية التي تشغل بال اليمنيين. والخوض في سجال حول الدولة المدنية، لا يعدو كونه سجالاً سياسياً يسعى من ورائه أصحابه إلى حشد الاتباع السياسيين، وتأطيرهم في جبهة تعزيز المكاسب خاصة والبلاد على ابواب انتخابات في ابريل عام 2014. رام الله

احلام الشعوب تتساقط كأوراق الخريف

زرع مفهوم الدولة المدنية مطلب الشعوب وغاية الأمم، لكنها في حقل الاحزاب السياسية الاسلامية، التي وصلت سدة الحكم في دول الربيع العربي باتت غاية في الصعوبة، لما يتجذر فيه من عوامل رفضها ولفظها. ورغم أن الشعوب قد هاجت باحثة عن متنفس لحريتها وعيشها في بيئة تسمح بالتعددية وتؤمن بالمدنية كأسلوب عيش وطريقة حياة ؛ إلا أنها اصطدمت بجموح الإسلام السياسي، وسلطة الحكم الواحد. وما كان من احلام الشعوب الثائرة الحالمة بالدستور المدني الحديث، والدولة المدنية التي تتعامل مع الشعب على مسافة متساوية من جميع الأديان؛ تساقطت كأوراق الخريف في مهب رياح التغيير الحقيقي.

هناك معركة حقيقية بين الحكومات الإسلامية التي اعتلت سدة النظام أخيرا لجموحها في تطبيق الشريعة؛ بينما يرتكز الطموح الشعبي على بناء دولة مدنية على غرار أقطار إسلامية تتيح حرية العبادة والحياة معا، دون مغالاة او تشدد بل بوسطية. وفي الوقت الذي تتخوف فيه الشعوب الفكرة الداعمة لمبدأ فصل الدين عن الدولة، تجد نفسها أقرب إلى المطالبة بالدولة المدنية وسيادة القانون والتعددية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحرية. وعلى الرغم من تقارب الفكرتين،إلا ان الشعوب العربية تجد في المدنية اللفظ الأسهل والتعبير الأقرب لما يمور في دواخلها من احترام للديانات وطموح لحسنات الدولة المدنية، وما تنطوي عليه من استقرار وأمان.

وزير العدل الفلسطيني علي مهنا تحدث مؤكدا أن هبة الربيع العربي تعود إلى حاجة الشعوب إلى التغيير الذي أصبح احتياجا ذاتيا لكل مواطن، الا ان هناك قوى اعتلت المنصة وسرقت الانجازات التي حصلت عبر ثورات شعبية سقط خلالها شهداء وجرحى. وقال ان الأحزاب الاسلامية التي تحكم الآن في امتحان ستسقط فيه اذا لم تستطع الاستجابة لاستحقاقات الربيع العربي الحقيقية، وسيكون هناك ربيع ثان لاسقاط الأول. فالدولة المدنية وحقوق الانسان والحريات العامة وضمانات المحاكمة العادلة والمبادئ المدنية السامية، اذا لم تكن هي الأساس لأي كيان سياسي، فلن يستطيع الصمود في وجه طموح المواطن بدولة مدنية تحقق تطلعاته .

وشعبنا الفلسطيني وبعد الاعتراف الأممي بدولته يجب ان تكون مؤسساته مهيأة بما يتناسب مع المبادئ العالمية، التي تتفق مع المدنية التي اختارتها شعوب العالم، من أجل العيش في استقرار وأمان في ظل التعددية الحزبية واحترام الأديان.

من جانبه أوضح الكاتب طارق الكرمي الذي يعد دراسة حول الفكر الإقصائي للإسلام السياسي ان من كان ينظر إلى الحراك الشبابي فيما أطلق عليه جزافاً الربيع العربي، سيرى أن مصفوفة الحراك لم تأتِ أكُلَها. وان ثوب الإسلام السياسي الذي وصل إلى سدّة الحكم لم يكن مطمعها ولا مطلبها في اي مرحلة من المراحل. وبطبيعة الحال فإن عقلية الأحزاب السياسية تتسم بالانعزاليةٌ وإقصاء الآخر.

وأشار الاعلامي والمحلل السياسي إلياس زنانيري إلى أن الأحزاب الإسلامية او "الاسلاموية" ليست أكثر من أحزاب سياسية تتستر بالدين للوصول الى غاياتها التي تتعارض مع الفكر القومي العربي الوحدوي. وتسعى الى طمس الهوية العربية ودفع المنطقة بأكملها الى عمق الفوضى.