تعوِّل المجتمعات المتقدمة كثيراً على العنصر البشرى كأحد أهم مصادر ثروتها في التطلع نحو المستقبل، على عكس مجتمعاتنا العربية التي تهتم بتدشين البنايات الضخمة وبناء ناطحات سحاب في المجالات المختلفة دون النظر إلى أهمية تأهيل البشر بما يحقق التحضر ويواكب التطور. وعلى الرغم من وجود بعض النماذج الناجحة.
وبشكل خاص في الخليج وتأتي الإمارات في مقدمتها من حيث الاهتمام بالجانبين وبشكل متساوٍ، إلا أنه في المجمل يواجه عرب المستقبل تحدياً كبيراً بشأن تحقيق التقدم الحضاري بالتزامن مع زيادة الاهتمام بتنمية الثروة البشرية، والتي تعد ضرورة حتمية حضارية يفرضها التحدي العلمي والتكنولوجي الذي تشهده المجتمعات الحديثة.
ويتفق خبراء التنمية البشرية، على أن تقدم المجتمع يقاس بما يقدمه من خدمات لمواطنيه، وبما يمنحه لهم من فرص تجعلهم يؤدون واجباتهم دون تفرقة. مستندين في هذا الصدد إلى تجربة دولة ماليزيا التي استطاعت من خلال الاعتماد على العنصر البشري، وتطويره أن تصبح قوة اقتصادية أذهلت العالم، حيث قامت بتجربة تعليمية فريدة تمثلت في إرسال أبنائها إلى الولايات المتحدة ليدرسوا مرحلة ما قبل الجامعة، وذلك لضخ دماء جديدة في جميع التخصصات، الأمر الذي انعكس إيجاباً على ماليزيا وقادها إلى أن تكون دولة متقدمة.
لا نريد أن نبحر عميقاً في هذا الشأن، خاصة وكل الأمم التي تطورت وانجزت، كان اهتمامها الأول بالعنصر البشري تعليماً وتأهيلاً وتدريباً ورعاية صحية وبدنية ونفسية واجتماعية. وانفقت الكثير من الأموال في مجالات البحث العلمي وتطوير البنى التحتية للتعليم، بما يحقق التطور المنشود.
والقضية المطروحة تتناول عرب المستقبل بين إعمار الحجر وإهمال البشر، وقد بينت الآراء المطروحة من دول عدة، ان الصورة مختلفة، والرِؤى متباينة، والاهتمام رغم أن اساليبه متعددة، لكن نتائجه قاتمة، بما يشير إلى أن مستقبله سيكون غامضاً.
مصر - خبير: نعاني أمية مركبة معرفية ومعلوماتية
شهدت مصر وهي أكبر الدول العربية من حيث العنصر البشري في العقود الماضية تراجعًا كبيرًا في تطوير قدرات البشر مقابل تركيز الاهتمام على تطوير المباني واعمار الحجر كنوع من الوجاهة العمرانية. رغم أنها كانت صاحبة براءة الاختراع في مضمار التعليم منذ عهد محمد علي، مؤسس الدولة الحديثة، من حيث إرسال طلاب مصريين في بعثات إلى أوروبا في اعمار صغيرة عادوا منها أطباء ومهندسين وعلماء، فأسهموا في بناء دولة حديثة، وجعلوا من مصر قبلة للعلم ومنارة للعالم العربي لقرون طويلة.
ويرى أستاذ علم الإدارة دكتور صديق عفيفي، أن التنمية البشرية أخذت في التقدم في بعض الدول العربية خلال السنوات الأخيرة، خاصة دول الخليج، إلا أن نسبة الأمية تظل أكبر الإشكالات التي تواجه الاهتمام بالعنصر البشري العربي، لاسيّما بعد تطورها لتصبح أمية مركبة سواء أمية القراءة والكتابة أو أمية تكنولوجيا المعلومات، ما يتطلب الاهتمام بمنظومة التعليم وإعادة هيكلتها للتغلب على هذه التحديات.
وأكد عفيفي أن الحل لا يقع على كاهل الحكومات وحدها بل يجب أن تتعاون مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الأهلية لتوظيف المنح المقدمة إليها في تطوير مجال التنمية البشرية. لافتا في هذا الصدد إلى تجربة رائدة في مصر هي جامعة زويل للعلوم والتكنولوجيا، وهو مشروع انطلق عقب ثورة 25 يناير؛ للاستثمار في العنصر البشري.
ويبدي حسن جمال، معلم ثانوي، اندهاشه من تزايد الدعوات المطالبة ببناء المدارس والأبنية التعليمية دون التركيز على محور العملية التعليمية وهو المدرس. وأضاف: إن الاهتمام ببناء مدارس لا يكفي لإصلاح المنظومة التعليمية والتربوية فيجب الاهتمام أكثر بتدريب المعلمين للبعد عن سياسة التلقين والأخذ بكل المستجدات المعرفية والمعلوماتية الحديثة، وذلك من خلال عقد دورات تدريبية للعمل على زيادات القوة التفاعلية بين المعلم والطلاب. وأشار إلى أن النهج الذي يتبعه المسؤولون المصريون، لا يقتصر على التعليم فقط بل يمتد إلى كل المجالات الأخرى كالصحة والثقافة، التي يأتي العنصر البشرى في آخر اهتماماتها.
قطر.. استثمار عائدات النفط والغـــــاز لتطوير الإنسان والمكان
من شباك الطائرة تذهلك حين وصولك إلى سماء العاصمة القطرية الدوحة الأبراج المتناثرة على كورنيش الدوحة التي نمت خلال سنوات قليلة كحبات اللؤلؤ مما ينبئك أن البلاد تشهد نهضة عمرانية شاملة فيما تستعد خلال سنوات قليلة لاستضافة أهم حدث كروي عالمي يتمثل بمونديال الكرة «كأس العالم 2022». مادفعها لتخصيص موازنة تقدر بمائة مليار دولار من أجل تحديث وتطوير البنية التحتية في البلاد.
الدوحة التي استفادت من تجارب غيرها وتعلم ان النهضة العمرانية التي تشهدها المدن القطرية ليست هي المعيار الوحيد والحقيقي للتطور والحداثة، شرعت إلى جانب الاهتمام بالعمران إلى الاهتمام «بالإنسان».
ومن هنا كانت إستراتيجيتها للتعليم التي لا تزال تواجه معارضة من شرائح مجتمعية مهمة تعودت على مدار العقود الماضية على التعليم القائم على التلقين، فكانت تجربة «المدارس المستقلة» التي خلفت التعليم الحكومي الذي الغي نهائياً، وجذبت إلى جانب الجامعة الوحيدة «جامعة قطر» عشرات فروع الجامعات العالمية لتقديم تعليم مختلف ومتطور إلى الأجيال القطرية المتعاقبة.
وتقول الدكتورة حمدة السليطي مديرة هيئة التقييم بالمجلس الأعلى للتعليم: إن إستراتيجية قطر في مجال التعليم والتدريب تهدف إلى بناء نظام تعليمي يواكب المعايير العالمية العصرية، ويوازي أفضل النظم التعليمية في العالم، ويتيح النظام الفرص للمواطنين لتطوير قدراتهم، ويوفر لهم أفضل تدريب.
وتهدف قطر خلال الخطة الخمسية 2011-2016 إلى بناء قدرات وطنية مؤهلة في مختلف مجالات العلوم. وتمكين الطالب من الاستفادة من كل أدوات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بهدف تطوير عملية التعليم والتعلم، والاستكشاف والتحليل والقدرة على تبادل ومشاركة البيانات بمسؤولية وابتكار وتميز.
بالإضافة إلى توظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الوصول السريع لأفكار وتجارب الآخرين، كما روعي في إطار الإستراتيجية التعليمية حاجات سوق العمل والاهتمام بالدراسة الجامعية والتفكير المنطقي وأسلوب حل المشكلات مع فرصة كبيرة للإبداع والأنشطة التي توائم حياة الطالب الحياة العصرية في مجتمع يطمح للتقدم والرقي.
وكانت الدوحة قد أطلقت عام 2008 رؤية قطر الوطنية لعام 2030 والتي تهدف إلى تحويلها إلى دولة متقدمة قادرة على تحقيق التنمية المستدامة وعلى تأمين استمرار العيش الكريم لشعبها جيلاً بعد جيل. وتحدد الرؤية الوطنية النتائج التي يسعى البلد لتحقيقها على المدى الطويل كما أنها توفر إطاراً عاماً لتطوير الإستراتيجية الوطنية الشاملة وخطط تنفيذها.
وتعالج الرؤية الوطنية خمسة تحديات تواجه دولة قطر تتمثل في التحديث والمحافظة على التقاليد وتأمين احتياجات الجيل الحالي واحتياجات الأجيال القادمة ومواجهة النمو المستهدف والتوسع غير المنضبط وتحديد مسار التنمية وحجم ونوعية العمالة الوافدة المستهدفة وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وحماية البيئة وتنميتها.
رؤية متكاملة
وتستشرف الرؤية الوطنية لدولة قطر الآفاق التنموية من خلال الركائز الأربع المترابطة التي تتمثل «بالتنمية البشرية، حيث تسعى الى تطوير وتنمية سكان دولة قطر ليتمكنوا من بناء مجتمع مزدهر» و«التنمية الاجتماعية وتهدف إلى تطوير مجتمع عادل وآمن مستنداً على الأخلاق الحميدة والرعاية الاجتماعية وقادراً على التعامل والتفاعل مع المجتمعات الأخرى ولعب دور هام في الشراكة العالمية من أجل التنمية».
و«التنمية الاقتصادية» وتسعى من خلالها إلى تطوير اقتصاد وطني متنوع وتنافسي قادر على تلبية احتياجات مواطني قطر في الوقت الحاضر وفي المستقبل وتأمين مستوى معيشي مرتفع. فيما تهدف «التنمية البيئية» إلى إدارة البيئة بشكل يضمن الانسجام والتناسق بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية وحماية البيئة.
وحسب الدكتور جونشين لي أستاذ أمراض الدم، عضو المجلس الأعلى للصحة فإن قطر تستعد حالياً لإجراء إصلاحات جذرية في النظام الصحي، بهدف جعل الخدمات الصحية عالمية المعايير. وتوقع أن يلمس المواطن والمقيم التطور في مستوى الخدمات في غضون عام واحد من الآن بالشكل الذي يرضي المجلس الأعلى للصحة.
وتأتي الإستراتيجية الوطنية للصحة 2011 2016 ضمن النظرة الشاملة لتطوير قطر بحلول 2030، وأبرز ما جاء فيها، هو تطبيق أفضل المعايير العالمية في علاج من يعيش على أرض الدولة، وذلك بما يتعلق بمستوى المؤسسات الصحية، وأيضاً بالوقت المستغرق في تقديم الخدمة. وقطر لديها فرصة ذهبية لتكون مركزاً للرعاية الصحية في الشرق الأوسط نتيجة امتلاكها أفضل الإمكانات.
الأردن إيقاع العصر يرفع شعار «المظهر قبل الجوهر»
بكثير من الصخب يخرج الأولاد والبنات من البيت مسرعين كي لا يسبقهم باص المدرسة، ويضطر والدهم إلى إيصالهم. بتتابع بهي، يخرج الأولاد من شقق العمارة. طلبة هذا المنزل الآن، وبعد قليل أولاد وبنات هذا المنزل. وهكذا.
لن تمضي نصف ساعة حتى يخرج الوالد، بكثير من الهدوء يفتح الرجل باب منزله. يخرج، فإذا هو أمام المصعد مباشرة، يطلبه لينزل إلى سيارته، حيث أعدها له حارس العمارة جيداً. (صباح الخير أستاذ) يقول حارس العمارة له مبتسماً، فيرد له الابتسامة (صباح النور فلان). يستقل سيارته ويغادر مباشرة إلى العمل.
هي دقائق لتفعل السيدة زوجته موظفة البنك المشهد ذاته، ولكنها قبل أن تغادر سيارتها تطلب من حارس العمارة بعضاً من الحاجات وتغادر هي الأخرى. هكذا تبدو الأمور، رجال ونساء يستيقظون باكرا، يذهبون الى العمل بكل هدوء. فهل صحيح أن كل شيء على ما يرام؟
سيارة كورية او يابانية أو ألمانية. وشقة جميلة، تخبرك غرفة ضيوفها أن أهله في غاية الثراء، أو على أقل تقدير الغنى. هي الاسرة تبدو شكلاً بخير. فالأب يعمل والأم كذلك، وربما الشقيق الأكبر. ولكن هل صحيح أن هذا المشهد الذي يبدو في غاية أناقته هو في حقيقته كما تظهره كاميرا العين؟
يبتسم الأب ذاته الذي يعمل مهندسا في إحدى الشركات الخاصة، وهو يقول: أزمة مالية واحدة قد تطيح بكل هذه الأناقة حد الفضيحة». نحن أمام عائلة نموذجا تتعلق بقشة راتب إن تعرض لأي هزة، سيختل توازن الشهر، وربما العام نفسه.
يعلق أحد المواطنين الأردنيين على ذلك بالقول: «يدفع المواطن الأردني أكثر من ثلث ما يريد أن يدفعه على أثاث بيته على غرفة الضيوف، في الوقت الذي يبدو فيه أثاث منزله الآخر أقل شأنا». ويتساءل: هل رأيت أحداً اليوم يهتم بإنشاء مكتبة منزلية لأبنائه تضم كل ما يلزم من علوم، كما يهتم بشراء شاشة HD ؟.
هذا ما يدفع مواطناً آخر يعمل معلم «مدرسة خاصة» إلى التنبيه بأن سياسات الجهات الرسمية ليست وحدها المسؤولة عن تناقض التعاطي مع ثنائية المظهر والجوهر، بل المواطن نفسه يمارس الممارسة ذاتها.
الناشط الحقوقي محمد الحلو يعلق على ذلك بالقول: هي ثقافة عصر ينظر الى التطور من حيث الشكل أولاً. يقول لـ «البيان»: نعم، هناك تطور في مجالات التعليم والصحة، ولكن فقدان الكثير من المواطنين لحقوقهم الصحية والتعليمية مثلًا يبقينا نراوح في مكاننا.
مشيراً إلى أن نسب الأمية في الوطن العربي لا بد أن تنعكس على الأرض، فالواقع يجب أن يظهر انعكاس التطور العمراني والشكلي، لارتفاع في نسبة الرعاية الصحية وانخفاض مستوى الأمية. وأوضح ان ما شهده الوطن العربي من تطور ملحوظ في السنوات الاخيرة في مجال حقوق الانسان بشكل عام يبقى في جانبه التطبيقي فقط.
وعلق نقيب الممرضين خالد ابوعزيزة على ما يعانيه الانسان المعاصر من انتباه للشكل، من دون أن يترافق ذلك مع تطور جوهري للانسان بالقول: أعمل في مؤسسة اقترض من صندوق موظفيها الكثير من المواطنين سلفا لشراء خلويات اكثر تطوراً من مديرهم نفسه، إضافة ألى أنهم اضطروا إلى دفع ربع راتبهم لمدة عام من أجل تغطية القرض.
البحرين: برلماني: تأهيل الكوادر الوطنية أساس بناء الأوطان
العنصر البشري، هو أساس بناء الحضارات، والصروح التي باتت تتسابق على تشييدها الدول ما هي الا اهتمام بأمور شكلية وجهود مكثفة على إعمار البنيان، في الوقت الذي يتم فيه إهمال الإنسان الذي تناط به مسؤولية تشييد الصروح المعمارية وإدارة شؤونها.
بتلك الكلمات بدأ النائب البحريني خالد المالود حديثه، وأضاف قائلاً إن التطور، لا يتأتى إلا بالاهتمام بالعنصر البشري عبر التدريب، وسد الحاجات التي تدفع الإنسان إلى بناء وطنه، من أجل مستقبل زاهر للأجيال المقبلة، منتقدا اللهث وراء الاستثمارات وجني الأموال التي أعمت أعين الكثير من المستثمرين، على حساب الاهتمام بالقدرات البشرية والشعوب، وهو ما أدى إلى خروج ما نراه من احتجاجات وتظاهرات وما يسمى بالثورات العربية التي تنادي بالإصلاح وتلبية المطالب وتحقيق التنمية المتوازنة التي هدفها الأساسي علو شأن الوطن والمواطن.
ومن الحلول التي طرحها، ضرورة إعطاء المزيد من الاهتمام بالعنصر البشري، وذلك بسد حاجاته وتدريبه على المستويين الحكومي والخاص، وتقديم الخدمات المتساوية بين جميع المواطنين دون أية تفرقة وان تكون الفرص متساوية.
على الصعيد ذاته قال عضو مجلس بلدي المنطقة الجنوبية محمد موسى البلوشي إن بعض دول التعاون، اهتمت مؤخراً ببناء الأبراج التي أصبحت تضاهي العديد من دول العالم، لكنها لم تعن بالجانب الأهم وهو بناء الذات وإعداد القائد والإداري الناجح من اجل أن تتقدم الدولة في مختلف النواحي.
فالدول المتقدمة لم تقم ببناء أبراجها وصروحها إلا من خلال العنصر البشري المدرب والمؤهل، بينما نلاحظ ان الاستعانة بالعنصر الاجنبي وتفضيله على المحلي بات السمة الغالبة في بلداننا، حتى إن اغلب من اشرف على بناء الابراج المشيدة في أوطاننا من الدول الغربية، فيما غابت الكوادر المحلية والتي تحظى بفرص وافرة من التدريب والتأهيل بما يمكنها من أخذ زمام المبادرة للابتكار والإبداع ونيل فرصتها في العمل والأنجاز.
وطالب بالمزيد من الاهتمام بصقل مهارات المواطنين عبر تدريبهم وتنمية قدراتهم ليصلوا الى ما وصل اليه العنصر الاجنبي، فالاهتمام بالكوادر المحلية حتما سيؤدي الى بناء الدولة بسواعد ابنائها وليس باستقدام كفاءت خارجية وأيد عاملة اجنبية لتلعب دورا ليس غايته التنمية والتطوير، بل المصلحة الخاصة وفي المقام الأول المادية البحتة..
اليمن.. ندرة الموارد وشح الإمكانات تفرض الاهتمام بالإنسان
يعاني اليمن من ندرة الموارد وشحة الامكانات التي تساعد على تنمية البشر بدلاً من التركيز على الحجر لكن من المفارقات الصارخة أن الإمكانات على ندرتها وقلتها لا تنفق من أجل التنمية البشرية بقدر الإنفاق على الأشياء المظهرية في بلد فقير.
والمفارقة العجيبة التي تسترعي الانتباه، أن الهيئة العليا لمكافحة الفساد، التي أنيط بها مكافحة تلك الآفة، حصل كل عضو من أعضائها الأحد عشر، على سيارة فارهة من ذلك النوع الباهظ الثمن والأكثر فخامة، ونسوا مهمتهم الأساسية، وهي الشروع في تعقب وملاحقة الفاسدين وناهبي المال العام. وفي السنوات الأخيرة ومع شيوع حرية الرأي والتعبير، طالعتنا الكثير من الصحف بقضايا كشفت هوس كثير من الوزراء والمديرين في شراء السيارات والمركبات، وإهمال حقوق ومطالب الناس، حتى إن أعضاء مجلسي النواب والشورى على كثرة أعدادهم كانوا أكثر حرصاً من غيرهم على اقتناء مثل تلك السيارات الفارهة.
وفي العقود الثلاثة الأخيرة ارتبطت العمارات والأبنية المميزة برجال الدولة من وزراء، ووكلاء، ومديرين عموم، حتى ان العلاقة بين هؤلاء وبين تلك الأبنية أضحت أحاديث الناس المتكررة، خاصة عندما يمرون أمام تلك العمارات الشاهقة التي تعود لتلك الفئة التي ينعتها اليمنيون بالفاسدين. ويلاحظ المرء وهو يتجول في أحياء وشوارع المدن اليمنية، مظاهر تؤكد أن الإنسان باعتباره محور التنمية وغايتها، تتضاءل قيمته كرأسمال، فهناك أبنية يقطنها الفقراء، بالكاد تفي بمتطلبات الإيواء البشري، فيما تنتصب عمارات وأبنية يقطنها ميسورون وتعود بعضها لكبار رجالات السلطة، وتعج شوارع المدن بآلاف السيارات الفارهة، ومن أحدث طرز وأغلاها ثمناً غالباً ما يركبها موظفون عموميون يشغلون مناصب إدارية عليا ومتوسطة وحتى متدنية.
وفي تعليقه على الصورة الشائعة التي تعلي من الحجر وتتجاهل البشر في بلد فقير أصلاً، قال الأديب والمثقف اليمني عبدالعزيز راجح : ثمة مفارقة صارخة بين مظاهر التباهي والمفاخرة التي تسود اليمن، وبين تدني مؤشرات التنمية البشرية في البلاد، فالخدمات والرعاية الصحية والتعليمية، كما تكشفها الأرقام تؤكد بجلاء واضح أن شراء السيارات الفارهة والإنفاق على تشغيلها عادة ما يكون على حساب النفقات على تلك القطاعات ذات العلاقة بالتنمية البشرية، فهناك غياب كامل للتأمين الصحي وأطفال اليمن يعانون من سوء التغذية وفقاً لما أعلنته اليونيسيف غير مرة، وأكده برنامج الغذاء العالمي.
فطبقاً للمؤشرات التي أعلنا عنها، تصل نسبة الفقر بين السكان إلى 47 % وثلث السكان يعيشون بأقل من دولار في اليوم، والحكومات المتعاقبة منذ البدء بالإصلاحات الاقتصادية والمالية تخلت عن دورها في تأمين الرعاية الصحية، والمعطيات الإحصائية الحديثة كشفت أن ثلاثة أخماس السكان البالغين لا يحصلون على أي نوع من التعليم الرسمي و45% من سكان الحضر وحوالي 70% من سكان الريف في سن 18 وأكثر لم يحصلوا على أي شكل من أشكال التعليم، أو أنهم لم يكملوا المرحلة الابتدائية، فضلاً عن ذلك اعداد التلاميذ في الفصل الواحد تجاوز المائة طالب وأحياناً المائة والخمسين،