تعكس التظاهرات التي شهدتها بغداد، ومدن عراقية أخرى، برغم حظر التجوال، عقب الإعلان عن تكليف مصطفى الكاظمي، تشكيل الحكومة المؤقتة، رفض الشارع العراقي الآلية التي تم بها الاختيار، من قبل الكتل الحاكمة، المتهمة بالفساد والقتل وتدهور الأوضاع في البلاد طيلة السنوات الـ17 الماضية، فيما يرى مراقبون سياسيون أن تلك الكتل كانت مضطرة لاختيار الكاظمي، الذي سبق أن رفضته، لقطع الطريق أمام إنجاز المكلف السابق عدنان الزرفي، مهمته في تشكيل الحكومة، وأن الأمر كله لا يعدو كونه تحدياً لإرادة الشارع العراقي، بنزع أي ثقة عن النظام الحاكم، وطريقة تعامله مع المطالب الشعبية.
ووصفت تقارير عدة تكليف الكاظمي بأنه «حبل النجاة الأخير» للكتل السياسية التي ماطلت كثيراً في تنصيب مكلفين قبله، وهو ما أوصل الأوضاع إلى حالة من الاستعصاء السياسي، المتزامن مع أزمات محلية ودولية خانقة بلا حكومة دائمة تحل محل تصريف الأعمال التي يديرها المستقيل عادل عبدالمهدي.
خلف الكواليس
وبحسب مراقبين سياسيين، فإن صعود شعبية عدنان الزرفي في أوساط النواب العراقيين، أقلق زعماءَ الكتل الكبيرة من إمكان تمرد ممثليهم في البرلمان، وجنوحهم نحو صفقة ما تدفع بالمكلف السابق إلى المنصب التنفيذي الأول في العراق، ولذلك سارعوا إلى تشجيع الكاظمي على الصعود، مستغلين مقبوليته في أوساط عدة.
ويرى المحلل السياسي ساهر عبدالله، أن هناك شبه اتفاق، خلف الكواليس، بين طهران وواشنطن، ترفع إيران بموجبه يدها عن العراق «بشكل تدريجي»، مقابل خفض أمريكي للعقوبات، التي باتت تهدد وجود النظام الإيراني.
ويشير عبدالله إلى أن كلاً من الزرفي والكاظمي ينتميان إلى ما يعرف في السياسة العراقية بمسار العبادي، وهو أنموذج سياسي ابتدأه رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، يقوم على فكرة تمتين العلاقات مع الولايات المتحدة والغرب ودول الخليج، مع الاحتفاظ بعلاقة مع إيران، من دون مواجهتها، حيث ساعد هذا الأنموذج العراق على تجاوز الأزمة التي نجمت عن انهيار أسعار النفط واحتلال تنظيم داعش أجزاء واسعة من البلاد في 2014.
انقلاب المواقف
وبحسب الكاتب الصحفي والمحلل السياسي محمد صباح، فإنه بالرغم من التشابه الكبير بين برنامجي، الزرفي والكاظمي، بالعمل على تشكيل حكومة تضع تطلعات العراقيين ومطالبهم في مقدمة أولوياتها، وتصون سيادة الوطن وتحفظ الحقوق، وتعمل على حل الأزمات، وتدفع عجلة الاقتصاد إلى الأمام، فلا يمكن لأحد من الكتل السياسية أن ينكر أن أساس كل ما يحدث من حراك، هو نتاج البداية القوية الكاسحة لاحتجاجات أكتوبر 2019، حيث سيكون أمام الكاظمي مطلب كبير وتحدٍ بالغ التعقيد وهو إرضاء المحتجين في خيم الاعتصامات في أكثر من سبع محافظات ما زالوا على موقفهم في محاسبة المقصرين ومن أعطى أوامر إطلاق النار التي أدت حتى الآن إلى مقتل قرابة 800 متظاهر وجرح 20 ألفاً آخرين بحسب إحصائيات متفاوتة.
ويوضح أن الكتل التي تبنت ترشيح الكاظمي، كانت حتى قبل أيام، تعده خصماً لدوداً، وتتهمه بتسخير جهاز المخابرات لصالح الاستخبارات الأمريكية، وبدأ التصعيد العلني ضده عندما اتهمه زعماء ميليشيات عراقية بالمساهمة في التخطيط لعملية قتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس قوات الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، والتي نُفّذت قرب مطار بغداد مطلع العام الجاري.
تحذير من اللعبة
وفي السياق، يحذّر مراقبون من أن تكليف الكاظمي بتشكيل الحكومة قد يكون مجرد محاولة من قبل الكتل الموالية لإيران، لكسب الوقت، من أجل إنضاج مشروع الإبقاء على الحكومة الحالية المستقيلة بقيادة عادل عبدالمهدي، بعد عرقلة التصويت لصالح كابينة الكاظمي في البرلمان، إلا أن هذه اللعبة يواجهها الضغط الشعبي، إضافة إلى إطلاق يد رئيس الجمهورية لتشكيل حكومة طوارئ، وحل البرلمان دستورياً، لإخفاقه المتكرر في اختيار رئيس للحكومة، وتحول رئاسة الحكومة إلى رئيس الجمهورية، وبذلك يمتلك صلاحية الرئاستين، اللتين يحق لهما اتخاذ القرار المناسب بشأن البرلمان والانتخابات المقبلة، التي ستعكس واقع المزاج السياسي الجديد لعموم الشعب العراقي.
