تجلس المواطنة الفلسطينية حنان غبن 43 عاماً بالقرب من حقل الخضراوات جوار منزلها شمال قطاع غزة، تمسك بصورة نجلها رمضان الذي لقي مصرعه برصاص ملثمين منتصف مايو 2007، أثناء عمله في جهاز الأمن الوقائي التابع للسلطة الفلسطينية.

تروي غبن تفاصيل لحظات وصفتها بالصعبة بقولها: «وصلنا خبر إصابته مساء الخميس 14 مايو 2007، وسط بلدة بيت لاهيا، وتم نقله لمستشفى كمال عدوان الطبي، حيث توجهنا مسرعين برفقة زوجي وشقيقاته، وعندما وجدناه على سرير الاستقبال والطوارئ ملطخاً بدمائه، اقتحم عشرات الملثمين قسم الإسعاف والطوارئ داخل المستشفى مدججين بالسلاح وحاولوا إطلاق النار على نجلي رمضان وهو مصاب».

وتصف غبن لحظات إعدام نجلها أمام أعينها، وهي تتنهد بصوت مهموم: «عندما حاولنا الدفاع عن ابننا المصاب هاجم المسلحون السرير الراقد عليه ابني رمضان، وبعد لحظات تفاجأنا بتسلق ملثم للنافذة القريبة من مكان تواجد ابني الذي نزف كثيراً، وأطلق عشرات الطلقات النارية اتجاهه الأمر الذي أدى إلى مقتله على الفور وإصابتي بطلق ناري أنا وشقيقات زوجي وعمه وأصبنا بجراح متوسطة».

وبالرغم من التفاصيل المؤلمة للحادثة، إلا أن المواطنة غبن أعلنت قبولها لعلاج ملف نجلها بعد أكثر من 10 سنوات، وقررت مسامحة قاتلي ابنها فداءً للمصالحة الوطنية «وليكن ممن تبقى من أبنائي من أجل الوطن» حسب قولها.

نقطة تحول

وشكلت خلافات يونيو نقطة تحول سوداء في تاريخ الشعب الفلسطيني بسبب الأحداث الدامية التي شهدتها محافظات قطاع غزة، جراء الاشتباكات بين حركتي فتح وحماس، بعد فوز الأخيرة بالانتخابات التشريعية الفلسطينية مطلع 2006. وانتهت هذه الحالة بسيطرة حركة حماس بالقوة على السلطة في غزة بحجة رفض حركة فتح تسليم مقاليد الحكم إلى حركة حماس في 19 مارس 2006.

تضميد جراح

ويقول المواطن عبدربه عبدربه، إن المصالحة المجتمعية استطاعت أن تضمد جرح الكثير من العائلات باحتضانهم وتعويضهم على مقتل أبنائهم، وأنني على استعداد للعفو عن قاتل شقيقي حمادة الذي قتل على يد مسلحين وهو عائد من عمله.

وكانت المصالحة المجتمعية أحد بنود اتفاق القاهرة الذي وقع في سبتمبر 2011، بحضور الفصائل الفلسطينية في القاهرة، وتنص على تعويض العائلات التي فقدت أبناءها في أحداث الاقتتال، إلا أن هذا الملف ظل حبراً على ورق، وبدأ فعلياً تنفيذه على الأرض بعد تفاهمات بين حركة حماس وتيار النائب محمد دحلان بدعم إماراتي ورعاية مصرية.

أهم الأولوياتويقول الناطق باسم حركة حماس فوزي برهوم، إنّ حركته تعتبر ملف المصالحة المجتمعية من أهم أولوياتها منذ بداية الانقسام عام 2007. وأضاف برهوم لـــ«البيان»: «نعمل منذ وقت طويل من أجل ترميم البيت الفلسطيني الداخلي وإعادة النسيج الاجتماعي، ونجبر ما حصل به من كسر ونعمل على تمكين النسيج لبناء الوحدة الوطنية، من خلال النائب محمد دحلان برعاية مصرية، حيث استطعنا تسوية أوضاع 40 عائلة فلسطينيّة فقدت أبناءها نتيجة الانقسام».

إنهاء شروخ

بدوره، قال مسؤول لجنة التكافل والنائب عن حركة فتح ماجد أبو شمالة، إنّ ملف المصالحة الاجتماعية نتعامل معه كملف أساسي حسب ما تم الاتفاق عليه في اتفاقية القاهرة عام 2011، من أجل إنهاء الشرخ الاجتماعي الموجود في قطاع غزة، ونرى مدى الارتياح بين الأسر والعائلات بفضل جهد دولة الإمارات كدولة عربية شقيقة أسهمت بشكل كبير في دعم هذا الملف.

ويضيف أبو شمالة المقرب من النائب دحلان في مقابلة مع «البيان»: «هناك عراقيل تواجه اللجنة الوطنية خاصة وبعض العائلات لديها تحفظ على المصالحة نتيجة الضغط عليها من قبل السلطة الفلسطينية في رام الله بوقف رواتبهم في حال أقدموا على الموافقة على المصالحة المجتمعية».