لم يبد الشارع الفلسطيني كبير اهتمام بالتطورات الدراماتيكية الأخيرة الطارئة على ملف المصالحة بين حركتي فتح وحماس. عدم الاكتراث هذا، لا يعني أن الفلسطينيين لا يريدون نجاح هذه المصالحة وعودة المياه إلى مجاريها، إنما هو تعبير عن عدم ثقة بتجاوز انقسام عمره أحد عشر عاماً، وتخلّلته اتفاقات كثيرة بقيت حبراً على ورق، ويعكس ذلك مشاعر المرارة لدى الفلسطينيين من ظاهرة يخشون من تحولها من مزمنة إلى دائمة لدرجة الاعتيادية.
الإعلان الذي بدا مفاجئاً من حركة حماس بحل اللجنة الإدارية، وهي بمثابة حكومتها في قطاع غزة، لم يدفع فلسطينيين كثيرين للنهوض عن الكراسي اندهاشاً، ذلك أنهم لا يرون هذا الإعلان ذا قيمة سياسية، إذ إن هذه اللجنة غير ملموس نشاطها في القطاع، لأن «حماس» تدير غزة عبر الأجهزة الأمنية وليس من خلال اللجنة الإدارية. كما إن اللجنة هذه عمرها أقل من عام في حين أن الانقسام عمره أحد عشر عاماً.
الأوساط السياسية والشعبية في الأراضي الفلسطينية تترقّب تنفيذ «حماس» الفعلي، لما أعلنت عنه وسط حالة من التشكيك من جانب حركة فتح التي طالبت بضرورة التروي لحين رؤية ما سيتم تنفيذه على أرض الواقع، كما إن محللين فلسطينيين يرون أن الاتفاقات السابقة بشأن المصالحة لا تمنح الأوساط السياسية الثقة المطلقة بالنجاح هذه المرة، خاصة مع تكرار الإعلان عن خطوات للمصالحة يتم التراجع عنها سريعًا ما كرس الانقسام على مدى السنوات السابقة.
عناصر جديدة
وسط هذه النظرة التشكّكية ثمّة من يرى عناصر جديدة في المشهد، يمكن البناء والتعويل عليها لرؤية قطار المصالحة يسير على سكّته باتجاه محطة الوفاق. خيوط الأمل لدى هؤلاء تنبثق بين السطور على شكل توقّعات محفوفة بالظلال، أبرزها أن «حماس» ربما باتت مقتنعة أخيراً أنها لن تتمكّن من السيطرة على غزة من دون كهرباء ورواتب ومعبر وعلاج المرضى، وبدون العمق العربي الوحيد جغرافياً والنافذة الوحيدة للقطاع على العالم، وهي مصر التي من الواضح أنها تضع كل ثقلها في إنجاز المصالحة الفلسطينية الأمر الذي ينعكس إيجابا على غزة، باعتبارها عمقاً أمنياً لمصر، كما أنها محاذية لسيناء التي تشهد وقوع عمليات إرهابية بين الحين والآخر.
ما هو الجديد حمساوياً؟.
واضح أن تغييراً ما فرض على «حماس» أن تعيد قراءة مواقفها مع مرور الوقت. فالحركة لم يعد لديها أدنى أمل بأن يعود «الإخوان» إلى السلطة في مصر، علماً بأن «حماس» كانت تتبنى الخطاب السياسي والإعلامي لإخوان مصر، من نوع «الشرعية» و«الانقلاب»، لدرجة أنها ورعاة لها مثل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بالغوا في المماحكة ورفع شعار «رابعة». هذا الموضوع الذي كان وراء كثيرين دائماً، بات وراء «حماس» كذلك، بقوة التجربة وأحكام الأمر الواقع.
الدعم القطري
يرى مراقبون كذلك أن قطر، الداعم والمموّل الرئيسي لـ «حماس»، باتت تعاني هي نفسها من العزلة ولا تستطيع أن تمد لها يد العون، على الأقل بالقدر الذي كان سابقاً، خاصة مع صعوبة التواصل الجغرافي عبر مصر التي قطعت الى جانب الإمارات والسعودية والبحرين علاقاتها الدبلوماسية والإقتصادية مع قطر. ومن المؤكّد أن هذه الخطوة تمثّل نوعاً من تخلي الحركة عن حصان قطر الخاسر.
ومثلما ساهمت عناصر مستفيدة من طرفي الانقسام في تكريسه وتوسيع الهوة بينهما إلى أبعد مدى وأقصاه، فإن هناك عناصر براغماتية في الطرفين تقرأ الظروف والمتغيرات بهدوء وتبحث عن خيار له أفق، وهذا لا يعني سوى التلاقي وتجاوز حالة باتت تنذر بأن تتجاوز الإطار السياسي والفصائلي، وتتفشى مجتمعياً.
وحتى نكون واقفين في المكان الصحيح من التوقّعات، ينبغي ملاحظة أن ما أعلنته «حماس» ليس سوى خطوة في طريق ليس مفروشاً بالورود، إذ إن حل اللجنة الإدارية والسماح لحكومة الوفاق بالعمل في غزة، لا يعني انتهاء سلسلة الخلافات والعوائق التي كانت قائمة سابقاً. هناك الكثير من التفاصيل التي ينبغي حلها، مثل التعامل مع الموظفين الذين جرى تعيينهم خلال فترة سيطرة «حماس» على القطاع، وكذا الأمر بشأن مصير أدوات «حماس» الأمنية مثل القوة التنفيذية، وموضوع السلاح والصراع مع إسرائيل. هذه الأمور الكثيرة نفرض التروي وتذكّر أن الشيطان يكمن في التفاصيل.
اتفاق القاهرة
ينص اتفاق القاهرة الذي توصلت إليه حركتا فتح وحماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وغيرها من الفصائل الفلسطينية، برعاية مصرية سنة 2011، على تشكيل حكومة وحدة وطنية وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية وانتخابات للمجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية، إضافة إلى إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية.