في زاوية من بيته يجلس حسام، متكئاً على وسادة صغيرة، ملامح وجهه متشحة بالغضب، صوته أثناء الحديث يميل إلى الخنقة، يفرك بيديه كثيراً ويتمتم أحياناً، المتمعن بالنظر فيه يعتقد أنّ عمره تخطى الستين، لكنه في الواقع لم يتجاوز 50 عاماً إلا بقليل.
الغرفة بكاملها رغم بياض جدرانها، يخيّم عليها السواد، فلم تعد تتّسع لحسام العجلة ولا أسرته ذات العشرة أشخاص، اثنين منهم جامعيين، وتلك الفتاة الصغيرة مريضة بالقلب وتحتاج للعلاج باستمرار.
قاموس
وفي غرفة أخرى، من الشقة ذات الغرفتين، كتب مختلفة من الطب، وأخرى تتبع لكلية الصيدلة، هناك قاموس عربي - إنجليزي، يمتلكه ابنه الأكبر علاء والذي يدرس في كلية الطب بالجامعة الإسلامية بغزة، وأنهى المستوى الثاني من تعليمه في درجة البكالوريوس، وعلى سرير مقابل يجلس سعيد ابن الثامنة عشرعاماً والحاصل الثاني على دفعته في قسم الصيدلة من الجامعة ذاتها.
تتجمع الأسرة على طاولة يعتليها عدد محدود من أطباق الزعتر والزيتون والجبنة مع خبز يابسٍ، حال الأسرة بائس وأزداد سوءًا بعد قطع 30 في المئة من راتب ولي أمر الأسرة الذي كان يعمل في وزارة الأشغال العامة التابعة للسلطة الفلسطينية.
أوضح حسام أنّه أخذ قرضًا من البنك ليكمل بناء شقته في بيت العائلة ويُسدّد الديون التي تراكمت عليه بسبب سكنه عشرة أعوام بالإيجار، إلى جانب تعليم ابنيه الجامعيين اللذين يحتاجان لمصاريف طائلة.
وكان يتقاضى راتباً لا يزيد على 3 آلاف شيكل (حوالي 700 دولار). قال حسام ودموعه تهرب من عينيه، «أعيل عائلتي، وأتكفّل بعلاج بنتي الصغيرة، المصاريف كثيرة ولا طاقة لي بها».
وبعد أن اتخذ الرئيس الفلسطيني محمود عباس قرارًا بخصم 30 في المئة من رواتب الموظفين التابعين للسلطة في القطاع، أصبح حسام يتقاضى 2100 شيكل (500 دولار) وبعد الخصومات من البنك، يتبقى له قرابة 100 شيكل، أي 30 دولارًا.
ومع تفاقم ظروف الحياة على أسرة حسام، قرّر إيقاف ابنيه الجامعيين عن الدراسة، وتوجيههما إلى العمل لمساعدته في تغطية مصاريف البيت.
يتحسر حسام، كيف سأعيل أسرتي؟ وبلهجته العامية يقول، «الوضع تحت الصفر، ما في مصاري لأصرف على أولادي بالجامعة، وفي المقابل ما في شغل لهم، ليصرفوا على نفسهم، لأنّ وضع البلد واقف».
يتابع وهو يداري وجهه بحزنٍ شديد، «مجبرًا أخذت قرار إيقاف أولادي عن الجامعة، لأنّ الخيارات أمامي معدومة، وأسرتي كبيرة، لدي من الأبناء سبعة معظمهم في المدرسة».