عندما تُقدم الحلوى بدلاً من «القهوة السادة» في بيوت عزاء الشهداء في فلسطين، يجب على الاحتلال أن يقف مع نفسه، ويراجع حساباته، فالشهداء، وإن غابوا بأجسادهم، يعيشون في ذاكرة المكان والزمان، ويرتقون في نفوس أهاليهم، حيث يعيشون بأرواحهم بين الأحياء، بل إن الأحياء يستمدون حياتهم من أرواح الشهداء.

للمرة الأولى، يستأذن الشاب اليافع سبأ عبيد (20 عاماً) والدته للخروج إلى التظاهرات المساندة لإضراب الأسرى عن الطعام في سجون الاحتلال، لكنها كانت الأخيرة، فهو اعتاد الانضمام إلى أية مسيرة وأية مواجهة مع الاحتلال دون استئذان.

«في الأيام الأخيرة، اعتاد سبأ الاعتصام في خيم التضامن مع الأسرى في مدينته سلفيت وسط الضفة الغربية، وما إن يتوجه المعتصمون إلى مناطق الاشتباك مع قوات الاحتلال، حتى يكون في المقدمة»، قالت والدته المكلومة، لافتةً إلى أن إضراب الأسرى كان شغله الشاغل منذ السابع عشر من أبريل الماضي، وهو اليوم الذي بدأ فيه إضراب الحركة الأسيرة.

أضافت لـ«البيان» بصوت يقطعه النحيب: «كنت أنتظر عودته مساء كل يوم، لكن انتظاري له أمس كان قاسياً، ولم أكن أتخيل أنه سيعود محمولاً على أكتاف أصدقائه، برغم أنه كان طالباً للشهادة، ودائماً كان يقول لي: ماذا ستفعلين يا أمي، لو جاءكِ خبر استشهادي؟».

ولم تجد والدته بدّاً من توزيع الحلوى بدلاً من القهوة السادة، ابتهاجاً بنيل ابنها ما أراد، فكم كان سبأ يتمنى الشهادة، ودليل على ذلك زحف إلى مسرح الأحداث في قرية النبي صالح، الواقعة بمحافظة أخرى «شمال غرب رام الله»، وبعيدة نسبياً عن مدينته بنحو 15 كيلومتراً.

ولعل القناص الإسرائيلي، الذي اتخذ موقعه على مدخل قرية النبي صالح، مُوقعاً على القتل، لم يعرف ماذا تعني رصاصته التي اخترقت قلب الشهيد سبأ، وكم هو كبير الألم الذي خلّفته تلك الرصاصة، وفاضت به منازل مدينة سلفيت، مسقط رأس الشهيد، وكم كان حجم الفاجعة، في قلوب من أدمنوا الوجود في خيم الاعتصام المتضامنة مع الأسرى التي ستفتقد سبأ.

يقول محمد عبيد، قريب الشهيد، إن سبأ كان يتوجه كل جمعة إلى قرية النبي صالح، بسبب عدم وجود نقاط اشتباك دائمة مع قوات الاحتلال في محيط سلفيت. ويستذكر عبيد اللحظات الأخيرة التي سبقت استشهاد سبأ، فيقول: «شاهدت أحد القناصة يرقب تحركات سبأ، وطلبت منه أن يأخذ ساتراً، لكن رصاصة القناص كانت أسرع من كلماتي، فأصابت سبأ في قلبه مباشرة، ليرتقي شهيداً».

الألم الذي خلّفه استشهاد سبأ يقاس بمدى تأثر أمهات الأسرى في خيم الاعتصام، ليس في سلفيت وحدها، وإنما في نابلس ورام الله، وغيرها من المدن، فهو كان يحرص على زيارتها من دون استثناء، وأصبح معروفاً لدى المعتصمين الدائمين، وكم كان الحمل ثقيلاً عليهم، عندما توجهوا إلى أماكنهم في خيم الاعتصام بينما مقعده شاغر.

هؤلاء لم يجدوا ما يعزّون به أنفسهم، غير رفع صور الشهيد سبأ، التي زيّنت خيم التضامن، والتصقت بصور الأسرى، الذين كان يحلم بحريتهم، فيما القناص الذي عاش بالأمس «ربيع مهنته» لا يرى في قتل سبأ وأمثاله سوى رقم حسابي، سيزداد كلما انفتحت شهيته للقتل الذي لم يردع يوماً فلسطينياً حمل قضيّته في القلب والروح والنضال.