لا تنفصل أزمة كركوك الأخيرة، عن مجمل «الأزمة العراقية» الداخلية، وأيضا عن التساؤلات التي بقيت من دون جواب حول انهيار الجيش العراقي في هزيمة يونيو 2014 بالموصل، وتسليمها إلى داعش، وانسحاب القوات العسكرية العراقية من كركوك، لتتقاسم السيطرة عليها عسكريا قوات البيشمركة وداعش.
ومن ثم التفسير المطلوب لطرح مسألة رفع العلم الكردي في مدينة كركوك، وكيف سيجري الاستعداد للاستفتاء المقترح في المحافظة، التي تضم مكونات التركمان والعرب والكلدوآشوريين، وغيرهم، واعتبار هذه الخطوة «استباقية» لملء الفراغ بمرحلة ما بعد داعش، ما يمكن أن يخلف نزاعا بين مكونات المحافظة.
ونزاعا لا يقل خطورة بين الأطراف الكردية، التي تبدو متوحدة «شكليا» الآن، باعتبار القضية «قومية»، وفي هذا الجانب أيضا يدخل التأثير الإقليمي واختلافاته.
فشل
ويرى مراقبون سياسيون، أن مسالة فشل أحزاب وكتل «الإسلام السياسي» في إدارة الدولة طوال السنوات الأربع عشرة الماضية، منذ غزو العراق حتى الآن، هي السائدة في الساحة العراقية، مع غض النظر عن فشل الأحزاب والكتل القومية الكردية في إدارة الإقليم، الذي مازال منقسما منذ سنة 1992 لحد الآن.
بعد فترة تصالح بين أربيل والسليمانية، لم تدم أكثر من سنتين، لتنطلق بعدها حرب «اُم الكمارك»، التي استمرت، مع مقترباتها، إلى ما قبيل الغزو الأميركي للعراق، وإجراء «التصالح» بين الحزبين الرئيسين، الديمقراطي برئاسة مسعود البارزاني والوطني برئاسة جلال الطالباني، بضغط ورعاية من الولايات المتحدة.
إلا أن ذلك «التصالح» لم يتم بشكل كامل، ومازالت هناك خلافات عميقة بين الجانبين، كما إن العديد من الإدارات مازالت منفصلة، ومن أبرزها وجود بيشمركة للحزب الديمقراطي، وأخرى تابعة للاتحاد الوطني، الذي يمتلك النفوذ في كركوك، إضافة إلى السليمانية.
أزمة
وبحسب متابعين للشأن العراقي، فإن قرار مجلس محافظة كركوك بشأن رفع العلم الكردي الذي جرى التصويت عليه وسط مقاطعة العرب والتركمان، ربما يكون سببا لأزمة جديدة بين بغداد وأربيل وأنقرة، وإيران أيضا.
دوافع
ورأى المحلل السياسي إحسان الشمري أن قرار رفع علم إقليم كردستان العراق الذي اتخذه مجلس المحافظة بمعزل عن التركمان والعرب، جاء لعدة دوافع، منها «رسالة للحزب الديمقراطي الكردستاني كتوازن جغرافي وفق معادلة المحافظتين.
وتقاسم النفط مع الديمقراطي الكردستاني كجزء من سياسة الأمر الواقع، لتأمين موارده المالية، والحفاظ على قوة الحزب في السليمانية بعد تراجعات أمام حركة كوران، ولفت الأنظار عن الانقسام الحاد داخل هيكله التنظيمي والصراع بين جناحي برهم صالح من جهة وهيرو خان من جهة أخرى.
وفشل وعجز رئاسة كتلة الاتحاد الوطني في البرلمان العراقي للوصول إلى تفاهمات مع الحكومة الاتحادية، وإقصاء وإخضاع المكونين التركماني والعربي في كركوك لرؤية الاتحاد، بعيدا حتى عن رؤية جلال الطالباني، والتحرك خارج إطار الدستور، لوضع صيغة جديدة مرتبطة بمصالح الحزب وليس العراق.
انقلاب
وبحسب المحلل السياسي مظهر عارف، من المعروف لدى الجميع، انخراط رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وحزبه الذي يقود حكومته العبادي، في اتفاقات مع حزب الطالباني والعمال الكردستاني التركي حول الوضع المطلوب أن يكون عليه اقليم كردستان لصالح إيران.
ولهذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن وبعد اتفاق بارزاني والطالباني هو،كيف سيكون موقف المالكي وحزب الدعوة وطهران والعمال التركي، من مسعى إعلان «الدولة الكردية».
وهل أخذ رأيهم جميعا فيه قبل هذا التاريخ أم أن الاتفاق جاء مفاجئا لهم، بدافع «غامض»، ليكون بمثابة «عملية تغيير باللعبة من قبل من هم اكبر من ايران وتركيا في المنطقة والعالم»، وبات عليهم حاليا إعادة نظرهم في كامل حساباتهم السابقة، والجواب عن هذه الأسئلة أو غيرها سيكشفه المستقبل في القريب أو في البعيد.